مطلع كل بيت يحدد هذا التوقع، فالمتلقي سيتهيأ لاستقبال تتابعات جديدة من هذا التكرار، وهو ما يحصل فعلًا في الأبيات الأربعة الأولى، غير أن الشاعر سيحطم آلية التوقع لدى المتلقي بإدخاله بعض التغيير على اللفظة المكررة في البيت الخامس، وذلك ما تجلى في دخول حرف العطف (الواو) على اللفظة المكررة؛ لذلك سيصبح المتلقي في حالة من الدهشة الإيقاعية الناشئة من مخالفة السياق الإيقاعي لمجرى التوقع لديه.
ومن النصوص التي تكررت فيها الكلمة تكرارًا عموديًا، قوله [1] :
عَبْدَ الحَمِيدِ وَكُلُّ مَجْدٍ كَاذِبٌ ... إِنْ لَمْ يُصَنْ لِلشَّعْبِ فِيهِ ذِمَارُ
وَالمَجْدُ أَنْ تُهْدِي حَيَاتَكَ كُلَّهَا ... لِلنَّاسِ .. لا بَرَمٌ وَلا إِقْتَارُ
وَالمَجْدُ أَنْ يَحْمِيكَ مَجْدُكَ وَحْدَهُ ... فِي النَّاسِ .. لا شُرَطٌ وَلا أَنْصارُ
وَالمَجْدُ إِشْعَاعُ الضَّمِيرِ لِضَوْئِهِ ... تَهْفُو القُلُوبُ، وتَشْخَصُ الأبْصَارُ
وَالمَجْدُ جَبَّارٌ عَلَى أَعْتَابِهِ ... تَهْوِي الرُّؤُوسُ، ويَسْقُطُ الجَبَّارُ
إن سر نجاح هذا التكرار العمودي كامنٌ في أنه يرتبط، إضافة إلى ارتباطه الوثيق بالمعنى العام، في كل مرة بمعنى جزئي مغاير للمعاني التي ارتبط بها في غيرها، فالشاعر اعتمد على تكرار الكلمة في توليد صورٍ مختلفة يرتبط كل منها باللفظ المكرر، وهي صورٌ غير متنافرة لكونها تصب جميعًا في سياق المعنى العام لكلمة المجد، وفي هذا دليلٌ على قدرة الشاعر وتمكنه من اشتقاق المعاني التفصيلية التي يوطد بها المعنى العام، ويكسبه بها بُعدًا جديدًا، ومذاقًا خاصًا متفردًا، ويلاحظ أيضًا أن الشاعر قد حشد لهذا النص مُعيناتٍ إيقاعيةً أخرى، كالتوازن الإيقاعي الحاصل بين عجزي البيتين الثاني والثالث، والتوازن الواقع بين عجزي البيتين الرابع والخامس أيضًا [2] ، وكل ذلك أسهم في رفد النص بمزيد من التلاؤم والانسجام الإيقاعيين.
وإذا نظر الدارس إلى التكرار العمودي نظرة تدقيق وتأمُّل، وجده لا ينغلق على الوظيفة الإيقاعية المحضة، على الرغم من أنها الوظيفة الأجلى بروزًا، فهو يعمل على"خلق نوع من التواشج بين الأبيات في إطارها البنائي" [3] ؛ وذلك عن طريق تصدير الأبيات كُلِّها أو معظمها
بكلمة واحدة تتكرر؛ فتعمل هذه الكلمة المكررة على شَدِّ الأبيات إلى بعضها من خلال الإيقاع، كما في الأبيات الآتية [4] :
(1) الديوان: 4/ 39.
(2) * سيأتي الكلام على إيقاع الموازنات الصوتية في مبحث لاحق.
(3) التكرار في الشعر الجاهلي: 173، وقد أكد الباحث هذه الفكرة مرارًا، ينظر: 175ـ180 و183ـ184.
(4) الديوان: 5/ 191.