الصفحة 122 من 213

حِلْيَةٌ نَحْنُ مِنْ طِرَازٍ فَرِيدٍ ... وَبَقايَا عِطْرٍ خَفِيٍّ دَفِين

وَحِمَتْ أَلْفُ أَلْفِ حُبْلَى وَحُبْلَى ... تَتَشَهَّاهُ مِنْ بُطُونِ السِّنين

نَحْنُ مِنْ نُطْفَةٍ سِوَى نُطَفِ النَّا ... سِ، وَطِينٍ مِنْ غَيْرِ ذَاكَ الطِّين

نَحْنُ فِي غُرَّةِ اللَّيالِي رُواءٌ ... مِنْ شَبابٍ، والنَّاسُ مِثْلُ الغُضُون

تُتْعِبُ الشَّارِحِينَ مِنَّا حَيَاةٌ ... نَحْنُ فِي سِفْرِها نُصُوصُ مُتُون

نَحْنُ مِمَّنْ لا يَسْتَرِقُّهُمُ العُمْـ ... ـرُ بِحُلْوِ المُنَى وَمُرِّ المَنُون

نَحْنُ لا نَزْدَهِي بِبَارِقَةِ العَيْـ ... ـشِ وَلا نِعْمَةٍ مِنَ المَنْجَنُون

بِخُفُوقٍ مِنْ نَجْمَةٍ مُسْتَرَدٍّ ... وَعَطَاءٍ مِنْ شَمْسِهِ مَمْنُون

نَحْنُ صَرْعَى الهُمُومِ فِي كُلِّ وَادٍ ... وَضَحَايَا الجَلاَّدِ فِي كُلِّ حِين

نَحْنُ نَحْنُ الَّذِينَ نَسْتَبِقُ الغَيْـ ... ـبَ بِعُقْبَى غَدٍ مَخِيضٍ جَنِين

هذا التكرار لكلمة (نحن) أسهم في إيجاد الترابط المتين بين الأبيات، فقد أصبحت الكلمة بؤرة ينبثق عنها المعنى كل مرة، ثم تتضافر المعاني لإنتاج الصورة الكلية التي أراد الشاعر رسمها، فالتكرار في هذا النص قام بوظيفة إيقاعية متمثلة في إعادة الصورة السمعية للكلمة من جهة، وبوظيفة بنائية تجلت في تهيئة جسر رابط بين هذه الأبيات.

وربما فصل الشاعر بين الأبيات التي ترد فيها الكلمة المكررة بأبيات أخرى تخفيفًا من كثافة التراكم الإيقاعي، وفي هذه الأبيات إيضاح لذلك [1] :

أَمِيلِي بِصَدْرِكِ نَبْعَ الحَنَانِ ... وَخَلِّي فَمًَا ظامِئًَا يُرْشَفُ

وَمِيطِي الرِّدَاءَ عَنِ البُرْعُمَيْنِ ... يَفِضْ عَسَلٌ مِنْهُمَا يَرْعُفُ

وَمُرِّي بِكَفِّي تَشُقُّ الطَّرِيقَ ... لِعَاصِفَةٍ بِهِمَا تَعْصِفُ

أَمِيلِي فَيَنْبُوعُ هَذَا الجَمَالِ ... إِلَى أَمَدٍ ثُمَّ يُسْتَنْزَفُ

وَهَذَا الشَّبَابُ الطَّلِيقُ العِنَانِ ... سَيُكْبَحُ مِنْهُ وَيُسْتَوْقَفُ

أَمِيلِي فَسَيْفُ غَدٍ مُصْلَتٌ ... عَلَيْنَا، وَسَمْعُ القَضَا مُرْهَفُ

عِدِي ثُمَّ لا تُخْلِفِي فَالْحِمَا ... مُ صِنْوُكِ فِي العُنْفَ لا يُخْلِفُ

فالشاعر في هذه الأبيات يكرر لفظة (أميلي) من غير تراكم، إذ إنه لم يكررها في بداية الأبيات جميعًا، محققًا بذلك نوعًا من التعاقب الذي لا يقل أثره الجمالي عن تراكم أصوات متشابهة، إن لم يكن أقرب إلى الجمال الفني نظرًا لخروجه من بساطة التكرار ونمطيته، ويلاحظ أن إيقاع التكرار

(1) م. ن: 3/ 128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت