اللفظين المكررين أو المتجانسين في آخر البيت والآخر في صدر المصراع الأول أو في حشوه أو في آخره أو في صدر المصراع الثاني [1] ، ومثال هذا الضرب من التكرار قول الشاعر [2] :
يُطَاقُ تَقَلُّبُ الأَيَّامِ فِينَا ... وَأَمَّا أَنْ نَذِلَّ فَلا يُطَاقُ
إن مزيّة هذا النوع من التكرار تكمن في أنه يرد دائمًا في كلمة تتمتّع بموقع متميز من البيت هو نهايته التي تبقى عالقة بالسمع، فإذا كانت هذه الكلمة تكرارًا لكلمة مرّت من قبل كان أثرها الإيقاعي أوضح وأجلى؛ لأنها ستعيد إلى الوعي الصورة الصوتية للكلمة السابقة، وتجعل من البيت دائرة إيقاعية محكمة، ومن أجل هذه الخصال مال الشاعر كثيرًا إلى رد العجز على الصدر في صورته التي يكون بها تكرارًا محضًا [3] .
ولا يكتفي الشاعر بتكرار الكلمة أفقيًا على مستوى البيت، بل قد يكررها أيضًا تكرارًا عموديًا على مستوى أبيات متعددة، وأحيانًا على مستوى قصيدة كاملة، فممّا تكررت فيه الكلمة تكرارًا عموديًا على مستوى عدة أبيات قوله [4] :
يَوْمَ الشَّهِيدِ: تَحِيَّةٌ وَسَلامُ ... بِكَ وَالنِّضَالِ تُؤَرَّخُ الأَعْوَامُ
بِكَ وَالضَّحَايَا الغُرِّ يَزْهُو شَامِخًَا ... عِلْمُ الحِسَابِ، وَتَفْخَرُ الأَرْقَامُ
بِكَ وَالَّذِي ضَمَّ الثَّرَى مِنْ طِيبِهِمْ ... تَتَعَطَّرُ الأَرَضُونَ وَالأَيَّامُ
بِكَ يُبْعَثُ"الجِيلُ"المُحَتَّمُ بَعْثُهُ ... وَبِكَ"القِيَامَةُ"لِلطُّغَاةِ تُقَامُ
وَبِكَ العُتَاةُ سَيُحْشَرُونَ وُجُوهُهُمْ ... سُودٌ، وَحَشْوُ أُنُوفِهِمْ إِرْغَامُ
واضح أن الشاعر كرّر لفظة (بِكَ) تكرارًا عموديًا في بداية كل بيت من هذه الأبيات بعد أن جاء بها أول مرة في العجز من البيت الأول، وإذا كان التكرار"يحدث تيار التوقع" [5] ، فإن وروده في
(1) علوم البلاغة: 301، وجواهر البلاغة: 354، وفنون بلاغية: 237.
(2) الديوان: 1/ 343.
(3) قد يرد رد العجز على الصدر في صورة التجنيس، وسيأتي الكلام على ذلك لاحقًا. وينظر في شواهد صورة التكرار: الديوان: 1/ 88 و209 و219 و247 و258 و276 و341 و431 و2/ 29 و41 و56 و67 و88 و91 و109 و151 و189 و212 و237 و243 و267 و308 و321 و340 و3/ 57 و63 و68 و71 و72 و101 و140 و197 و200 و210 و236 و270 و310 و330 و4/ 42 و85 و135 و189 و217 و223 و249 و5/ 107 و355 و356 و6/ 29 و119 و123.
(4) الديوان: 3/ 269.
(5) التكرار في الشعر الجاهلي: 161.