الصفحة 119 من 213

وقد يكرر الشاعر الكلمة تكرارًا تتابعيًا دون فاصل بينهما، كقوله [1] :

أَتَمَلَّى عَيْنَيْكِ عِرْقًَا فَعِرْقًَا ... وَحَدِيثًَا سَجَعْتِ حَرْفًَا فَحَرْفَا

إن التكرار في هذا البيت، زيادة على قيمته الإيقاعية، يؤكد المعنى عن طريق التفصيل فيه، فالشاعر من شدة انبهاره بجمال المرأة يُديم النظر في عينيها بدقة تُفهم من هذا التفصيل (عرقًا فعرقًا) ، ويُرهف السمع إلى حديثها الذي يلتذُّ به، حتى كأنه يصغي إلى سجع، وهو لا يتابع كلامَها في الجملة، بل يتفحَّصه (حرفًا فحرفًا) ليستبين مكامن الجمال فيه.

إن المتابع لتكرار اللفظة في شعر الجواهري يجده يستند إلى أساس من التلاحم المتين بين اللفظة المكررة والسياق الذي يستدعيها، ففي قوله [2] :

عُشُّ الأَهَازِيجِ مِنْ سَجْعِي يُرَدِّدُهَا ... سَجْعُ الحَمَامِ وَتَرْجِيعُ الطَّوَاحِين

يندمج التكرار في سياق البيت على نحو يصبح جزءًا منه يمتنع فصله أو تغييره، إذ إن استعمال الشاعر لكلمة (سجعي) كناية عن شعره استدعى التعبير بـ (سجع الحمام) ، خصوصًا أنه قد مهد له بدلالة (يرددها) ، فجاءت الكلمة الثانية ترديدًا للأولى بمقتضى السياق نفسه.

وقد يكرر الشاعر كلمتين معًا في بيت واحد قصدًا منه إلى المبالغة في تضمين البيت إيقاعًا يقوم على التكرار، ومن ذلك هذا البيت [3] :

فَمِنْ عَنَاءِ بَلِيَّاتٍ نُهِكْتُ بِهَا ... إِلَى عَنَاءٍ، وَمِنْ دَاءٍ إِلَى دَاء

وهذا البيت [4] :

عَوْدٌ إِلَيْكَ عَلَى بَدْءٍ وَقَدْ قَرُبَتْ ... مَسَافَةُ البَدْءِ مِنْ عَوْدٍ إِلَى الحُفَر

وأحيانًا يكرر الشاعر بكلمة القافية كلمةً قبلها مباشرة، فيؤدي التكرار بذلك دورًا تهييئيًا للقافية يجعلها مستقرة في موقعها استقرارًا إيقاعيًا دقيقًا، كقوله [5] :

رَنَتِ العُيُونُ إِلَيْكَ تُكْبِرُ مَوْقِفًَا ... مِنْ"شَيْخِ"لُبْنَانَ النَّبِيلِ نَبِيلا

وَتُرِيدُ مِنْكَ وَقَدْ تَقَلَّصَ ظِلُّهُمْ ... أَلاَّ تَمِيزَ عَلَى الدَّخِيلِ دَخِيلا

وقد يجعل الشاعرُ كلمةَ القافية تكرارًا لكلمة سابقة مرّت في الصدر، فيتوفّر بذلك على ما أسماه النقاد والبلاغيون بـ (رد العجز على الصدر) [6] ، أو (التصدير) [7] ، وعرّفوه بأن يكون أحد

(1) الديوان: 6/ 134، وينظر: م. ن: 2/ 145.

(2) م. ن: 5/ 104.

(3) م. ن: 2/ 91.

(4) م. ن: 5/ 319، وينظر: 2/ 70 و91 و125 و3/ 199 و274 و4/ 11.

(5) م. ن: 3/ 244، وينظر: 241 و5/ 22 والديوان ط. ل: 5/ 365 و366.

(6) كتاب الصناعتين: 385.

(7) العمدة: 2/ 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت