الصفحة 118 من 213

النص العام" [1] ، فالشاعر حين يعمد إلى كلمة ويكررها في سياق النص إنما يريد أن يؤكد حقيقة ما ويجعلها بارزة أكثر من سواها [2] ."

وقد شغلت ظاهرة تكرار الكلمات مساحة واسعة من المتن الشعري للجواهري، ومن أمثلة هذا الضرب من التكرار قوله [3] :

أَمُلاعِبَ الأَرْمَاحِ يَوْمَ كَرِيهَةٍ ... فِي السِّلْمِ أَنْتَ مُلاعِبُ الأَلْبَاب

في هذا البيت يكرر الشاعر كلمة (ملاعب) تكرارًا قائمًا على التغاير الدلالي بالإضافة، فإضافة (ملاعب) إلى الأرماح كناية عن الشجاعة وشدة البأس، وإضافتها إلى الألباب كناية عن شدة التأثير في نفوس الناس، حتى كأنه يلعب بعقولهم، وقد كان مرد نجاح التكرار إلى أن الكلمة ارتبطت كل مرة بمعنى مغاير، فقد"حُكِيَ عن أبي العباس ثعلب أنه قال: إنما حَسُنَ التكرار؛ لأن تحت كلِّ لفظة معنى ليس هو تحت الأخرى" [4] .

وقد انتهت نازك الملائكة في دراستها للتكرار إلى قاعدة مفادها"أن اللفظ المكرر ينبغي أن يكون وثيق الارتباط بالمعنى العام، وإلا كان لفظية متكلفة لا سبيل إلى قبولها" [5] ، وإذا نظر الدارس، في ضوء هذه القاعدة، إلى قول الجواهري [6] :

مَلِلْتُ مُقَامِيَ فِي لَنْدَنَا ... مُقامَ العَذَارَى بِدُورِ الزِّنَا

مُقامَ المَسِيحِ بِدَارِ اليَهُودِ ... مُقَامَ العَذَابِ، مُقامَ الضَّنَى

وجدها متحققة فيه بجلاء، فالشاعر أعلن عن ملله للمقام في لندن، ثم طفق يكرر كلمة المقام تكرارًا يخدم الإيقاع ويوطّد المعنى، ومما لا شك فيه أن العذراء الطاهرة تمل المقام بدور البغايا أشدَّ ما يكونُ المللُ نظرًا للتناقض الحادِّ بين طبائع العذارى وطبائع العاهرات، وعلى الشاكلة نفسها حال المسيح - عليه السلام - الذي ضاق ذرعًا باليهود الذين كانوا ينتهكون حدود محارم الله ويقتلون النبيين بغير الحق، ولم يخرج التكراران الآخران عن عموم المعنى، فالعلاقة بين الملل والضجر ومقام العذاب والضنى علاقة تلازم حتمي، وهكذا تكون التكرارات جميعها في خدمة المعنى العام، ممّا يعطيها شرعية الوجود في النص.

(1) كتابة الذات: 95ـ96.

(2) قضايا الشعر المعاصر: 276، والسكون المتحرك: 1/ 350.

(3) الديوان: 2/ 55، وينظر: 2/ 126.

(4) أمالي المرتضى: 1/ 121.

(5) قضايا الشعر المعاصر: 264.

(6) الديوان: 3/ 229.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت