الصفحة 117 من 213

فعندما أراد الشاعر الفخر بعروبته وأنه فيها من الصميم، استعان بتكرار صوت الضاد، ـ وكثيرًا ما يُقال عن العربية إنها لغة الضاد ـ ووصف تعامله مع اللغة العربية، بل مع أخص حروفها بأنه تعاملٌ مُنتِج بدلالة الفعل (أُولد) ، فهو ما إن ينطق بصوت الضاد حتى يستحيل بفضل شاعريته إلى (ضيغم) ، ثم استطرد للتعريض ببعض مُبغضيه وباخسي حقِّه، فوصفه بأنه دخيل على العربية لا يحسن تطويعها، فإذا أراد أن ينطق بصوت القاف أحاله لفرط قبح تلفظه به إلى (قرد) ، فالصورة إذن تستمد ما هو بصري مرئي (الضيغم والقرد) مِمّا هو صوتي سمعي (فصاحة الجواهري ولُكنة خصمه) ، وكل ذلك تأسس على إيقاع التكرار، تكرار صوت الضاد مرتين في الصدر، وتكرار صوت القاف مرتين في العجز.

ولئن كانت الشواهد السابقة معقودة على تكرار الجواهري للحروف التي يدعوها أهل اللغة (حروف المباني) ، فإنه لم يُعرض في شعره عن تكرار ما يدعونه (حروف المعاني) ، ومن ذلك تكراره لحرف الجر (إلى) في البيت الآتي [1] :

يَا سَامِرَ الحَيِّ بِي شَوْقٌ يُرَمِّضُنِي ... إِلَى اللِّدَاتِ، إِلَى النَجْوَى، إِلَى السَّمَر

فتكرار الحرف (إلى) في الشطر الثاني قد ولّد إيقاعًا جميلًا يشف عن شوق الشاعر إلى مثلثه المثير لكوامن نفسه، ولا شكَّ في أن إحلال حرف العطف الواو مثلًا محلَّ (إلى) المكرر بعد تحييد موجبات الوزن كأن يقول: (إلى اللدات والنجوى والسمر) سيُفقد البيت مزيّته الإيقاعية، ويُضعف الدلالة التي قصد الشاعرُ إلى تقويتها بالتكرار. وقريب من هذا المثال قول الشاعر [2] :

يَا عَذْبَةَ الرُّوحِ يَا فَتَّانَةَ الجَسَدِ ... يَا بِنْتَ بَيْرُوتَ يَا أُنْشُودَةَ البَلَد

الذي كرر فيه (يا) النداء أربع مرات تقوية للإيقاع، وتأكيدًا للدلالة المنطوية على شيء من الضراعة، فكأن الشاعر يعيد النداء تلو النداء ليستميل قلب من يناديها، فضلًا عن أن النداء المتكرر ساعد على إنشاء جمل متعددة ساعدت الشاعر على مبالغة الوصف وتقويته.

ثانيًا/ تكرار الكلمات:

يُعدُّ تكرار الكلمات المظهر الثاني من مظاهر التكرار، وهو مظهر ذو قابلية عالية على إغناء الإيقاع، ويكون"مقصودًا إليه لأسباب فنية، وليس للتردد ذاته، وإِلاّ عُدَّ مجرد حِلْية صناعية أو دليلَ عجزٍ أو قصورًا في التعبير" [3] ، وذلك بأن تؤدي اللفظة المكررة"دورًا خاصًا ضمن سياق"

(1) الديوان: 5/ 314. وهناك نصوص أخرى تنطوي على مثل هذا التكرار، ينظر: 2/ 181 و3/ 49 و4/ 230.

(2) م. ن: 3/ 49.

(3) حروف القرآن: 107.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت