يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ إِنَّ الشِّعْرَ هَدْهَدَةٌ ... لِلسَّمْعِ مَا بَيْنَ تَرْخِيمٍ وَتَنْوِين
فقد أقام الشاعر مفهومه للشعر من خلال هذا البيت بأنه مادة التطريب للسمع، فهو يثير في النفوس انفعالات متباينة نوعًا، ومتفاوتة كمًّا، وذلك من خلال مدخل واحد إلى هذه النفوس وهو السمع، وحينما أراد الشاعر التعبير عن هذا المعنى وجد في كلمة (هدهدة) أنجح طريقة للتعبير، بما تثيره هذه الكلمة نفسها من خلال إيقاعها التكراري من انفعالات طرب ورُؤى في نفوس المتلقين.
إن إحساس الجواهري بالقيمة الإيقاعية لتكرار الصوت يتجلّى ـ إضافة لما سبق ـ في نوع من التكرار يمكن أن يُدعى بتداعي الحروف، وذلك في نصوص بدا التكرار فيها مستندًا إلى ضرب من التداعي، ولعل في الأبيات الآتية ما يوضح ذلك [1] :
وَتَضَوَّرَتْ جُوعًَا فَلَمْ تَرَ عِنْدَهُ ... مَا تَأْكُلُ الأَوْغَارُ وَالأَوْغَامُ
وَمَشَى الفَعَالُ لَهُمْ صَرِيحًَا لَمْ يَشُبْ ... آيَاتِهِ عِيٌّ وَلا إِعْجَامُ
وَتَخَارَسُوا وَعَمُوا فَمِلْءُ عُيُونِهِمْ ... رَمَدٌ، وَمِلْءُ حُلُوقِهِمْ إِفْحَامُ
فإذا لاحظنا كلمات القافية وجدنا كُلاًّ منها مشتملًا على صوت كان تكرارًا لصوت مماثل له في الكلمة السابقة، فكأنما استدعت الغين في (الأوغار) نظيرتها في (الأوغام) ، وكذلك كان ورود صوت العين في (عِيٌّ) مدعاة لوروده في (إعجام) ، والكلام نفسه يقال عن الحاء في (حلوقهم) و (إفحام) ، ولم يقتصر التكرار المؤسس على التداعي على كلمات القافية، ففي مقدور القارئ أن يستبين ذلك في صوت الراء الذي ورد في (تضورت) واستدعى الراء في (تَرَ) ، وورد مرة أخرى في (تخارسوا) فكان داعية لوروده في (رمد) ، والحال نفسه قد وقع لصوت العين في (جوعًا) و (عنده) من البيت الأول، وفي (عمُوا) و (عيونهم) من البيت الثالث، وصوت الشين في (مشى) و (يشب) ، وصوتي اللام والميم في (لهم) و (لم) من البيت الثاني، وتحصيل ذلك أن التداعي، الذي هو ضرب من التكرار، قد وفّر تناغُمًا إيقاعيًا كبيرًا لهذه الأبيات، تُحِسُّه الأذن وتهشُّ لوقعه.
وأحيانًا يكون تكرار الصوت والإحساس بقيمته الإيقاعية رافدًا من روافد الصورة الشعرية التي يبتدعها الشاعر، كما في قوله [2] :
أَنَا ـ بَيْرُوتُ ـ قِطْعَةٌ مِنْ أَدِيمٍ ... عَرَبِيٍّ دَمًَا وَلَحْمًَا وَجِلْدَا
أُولِدُ الضَّادَ ضَيْغَمًَا وَدَعِيٌّ ... إِبْنُ تِسْعِينَ يَمْسَخُ القَافَ قِرْدَا
(1) م. ن: 3/ 279، وينظر: 2/ 200 و203 و225.
(2) م. ن: 5/ 265.