يُقال عن الفعل (دغدغ) الذي يُصوِّر بأصواته الحركة، فهو يحاكي الصوت المنبعث عن الحركة التي يدل عليها الفعل [1] .
ولثراء الطاقة الإيحائية الكامنة في مثل هذه الكلمات التي تتوفر على إيقاع التكرار، استعان الشاعر بها في مواضع عديدة من شعره، ومنها قوله [2] :
وَزُعْزِعَتْ مِنْ لَيَالِي الصَّيْفِ حَالِمَةٌ ... سَمْرَاءُ ظَمْيَاءُ لَوْ لَمْ تُرْمَ بِالقِصَر
وَدَغْدَغَتْ نَسَمَاتُ الفَجْرِ نَاعِمَةً ... نُعْسَ الجُفُونِ وَمَا اسْتَرْخَى مِنَ الشَّعَر
فالشاعر يستهل هذين البيتين بكلمتين تشتملان على تكرار صوتين، وقد كان ورود الكلمتين في بداية البيتين عاملًا إضافيًا لتقوية النغمة الصادرة عنهما نظرًا لموقعهما المتميز، وقد أعاد هذه الحالة في قوله أيضًا [3] :
وَيُبَصْبِصُونَ لِمُدْقِعٍ، وَيَمَسُّهُمْ ... ضُرٌّ إِذَا مَسَّ التُّرَابَ حِذَاءُ
وَيُثَرْثِرُونَ عَنِ الإِخَاءِ وَحَوْلَهُمْ ... خَوَلٌ أَسَارَى عِنْدَهُمْ وَإِمَاءُ
وغير ذلك كثير [4] ، مِمّا يدلُّ على أن الشاعر يَتَّجِه إلى اختيار ألفاظ رباعية الحروف تختص بصفات إيقاعية تتجلّى في هذا التمازج النغمي بين صوتين يتكرران بانتظام، وقد وجد بعض الباحثين في هذا التمازج شبهًا بالتمازج النغمي (الهارموني) الحاصل في الموسيقى [5] ، وعلى صعيد البنية تتميز هذه الألفاظ عن الألفاظ الثلاثية بزيادة صوت يضخم حجم الفعل فتتقوّى طاقة التعبير الكامنة فيه، وذلك عن طريق حكاية أصوات الشيء المُراد التعبير عنه، أو تصوير حركته أو نوره أو أثره في النفس بالأصوات، فهو بذلك متميز بإيقاع ذاتي كفيل ـ إذا ورد في سياق الشعر ـ أن يفرز أنماطًا إيقاعية مختلفة بحسب طاقتها الإيحائية وعدد الأمثلة التي يتضمنها النص [6] .
وقد مضى الكلام على تلك الأصناف التي تحكي أصوات الأشياء، أو تصور الحركة أو النور، أمّا ذلك النوع الذي يثير في النفس ـ بحكم إيقاعه ـ انفعالًا ما، فشاهده [7] :
(1) في مفهوم الإيقاع: 22 الهامش.
(2) الديوان: 4/ 116.
(3) م. ن: 4/ 20.
(4) ينظر: م. ن: 1/ 123 و2/ 177 و286 و289 و311 و316 و317 و321 و333 و3/ 206 و216 و309 و4/ 43 و128 و147 و305 و5/ 127 و302 ..
(5) الموسيقى في شعر مظفر النواب: 196.
(6) اللغة الشعرية في الخطاب النقدي العربي: 197.
(7) الديوان: 5/ 89. وقد استعمل الشاعر لفظة (الهدهدة) بصيغة الفعل مرارًا، ينظر: 3/ 390 و4/ 100.