وفي حالات أخرى يكرر الشاعر صوتين في كلمة واحدة، ويكون ذلك في الكلمات الرباعية التي أولها كثالثها، وثانيها كرابعها، فتكرار الصوت في هذا النوع حاصل على مستوى الكلمة وليس على مستوى الجملة أو البيت، وقد ألمح الدارسون إلى القيمة الإيقاعية لهذه الكلمات المبنية على تكرار صوتين [1] ، ومن هذا النوع من الكلمات قسمٌ يؤدي جرسُ الكلمة نفسُه معناها [2] ، فإيقاعها يوحي مباشرة بمدلولها، ولها شواهد عديدة في شعر الجواهري، ودونك منها قوله [3] :
ـ ... أَوَلَيْسَ خَشْخَشَةُ الحَدِيْـ ... ـدِ أَلَذَّ مِنْ عَزْفِ القِيَان
ـ ... قَعْقِعُوا مِنْ قِدَاحِكُمْ ... فَاللَّيَالِي تُقَعْقِعُ
ـ ... وَأَرْبَدَ جَوٌّ مُكْفَهِرٌّ وَجَلْجَلَتْ ... رُعُودٌ، وَأَرْخَى جَانِحَيْهِ رَبَابُ
ـ ... أَلْهَتِ السَّامِرِينَ نَشْنَشَةُ الكَأْ ... سِ وَعَصْفُ الهَوَى .. وَسِحْرُ العُيُون
ـ ... إِنَّ الزَّمَازِمَ فِي الدُّنْيَا لِمَصْرَعِهِ ... صَدَى الزَّمَازِمِ صَبَّتْهَا كَتَائِبُهُ
إن تعابير (خشخشة الحديد) و (قعقعة القداح) و (جلجلة الرعود) و (نشنشة الكأس) قد وفرت إيقاعًا يحكي بصورته السمعية الصوتَ الذي ينبعث في الحقيقة من هذه الأشياء، ففي هذا النوع من التكرار يتحول الإيقاع من دالٍّ رمزي خفي إلى دالٍّ أكثر بروزًا وأشد وضوحًا بمحاكاته المباشرة للأصوات الطبيعية التي أراد الشاعر التعبير عنها، ولعلّ البيت الخامس من هذه الأبيات كان ذا قيمة جمالية أعلى، إذ تكررت الكلمة المشتملة على تكرار صوتين مرتين، مرة في الصدر وأخرى في العجز، فكانت بذلك كرجْعِ الصدى، وهو ما قصد الشاعر التعبير عنه حيث صرّح بأن الزمازم الثانية صدى للزمازم الأولى.
غير أن الملاحظة التي لا بُدَّ من تسجيلها، هي أن الكلمات المبنية على تكرار صوتين قد لا تكون من ذلك النوع الذي يدل جرسها على معناها، فالفعل (لألأ) في قول الشاعر [4] :
وَأَنْتِ إِذَا زَيَفُ المُعْجَبِينَ ... تَلأْلأَ لِلعَيْنِ ثُمَّ انْجَلَى
والفعل (دغدغ) في قوله [5] :
وَدَغْدِغْ ضِرْعَ خَابِيَةٍ ... يُدِرِّ الضِّرْعَ إِبْسَاسُ
لا يحاكيان الصوت مباشرة، ولكن إيقاعهما القائم على تكرار صوتين لم يكن غير ذي جدوى؛ لأن الفعل (لألأ) يُصَوِّر بأصواته النور المنجلي للعين، فكأنه يحاكي صوتًا يتبع النور، والشيءُ نفسُه
(1) موسيقى الشعر بين الثبات والتطور: 26ـ27.
(2) الشعر والتجربة: 24.
(3) الديوان: 2/ 327 و3/ 128 و4/ 184 و5/ 189 و293 على التوالي.
(4) م. ن: 3/ 206.
(5) م. ن: 4/ 172.