الصفحة 112 من 213

أحشاء الأبيات أيضًا، على نحو يبدو الروي وكأنه رَجْعٌ لصوت مماثل ورد من قبل.

ونظير هذه الحالة تكرار الشاعر لصوت السين في قوله [1] :

يَا نَدِيمِي: نَفْسِي جُذَاذَاتُ طِرْسِ ... عَرِيَتْ فَوْقَهَا بِطُهْرٍ وَرِجْس

مِنْ مَرَاقِي نُعْمَى وَهُوَّاتِ بُؤْسِ ... مِنْ أَشَمٍّ وَمِنْ أَخَسِّ أَخَسّ

كَذَبَ البُحْتُرِيُّ إِذْ قَالَ أَمْسِ ..."صُنْتُ نَفْسِي عَمَّا يُدَنِّسُ نَفْسِي"

دَنَسَ النَّفْسِ حُلَّةٌ مِنْ دِمَقْسِ ... لَنْ تُغَطِّي وَلَوْ بِمِلْيونِ عُرْس

يلاحظ أن الشاعر كرر صوت السين سبع مرات في حشو الأبيات، إضافة إلى تكراره ثماني مرات في أرواء الأبيات، قاصدًا بذلك إلى تعزيز إيقاع حرف الروي، ويلاحظ أيضًا أن كثرة تكرار صوت السين الرِّخْو المهموس (وهما صفتان للصوت تجعل النطق به عسيرًا) لم تُخرج الأبيات عن كونها مُتَّسقة الإيقاع منسجمته؛ وذلك لأن الشاعر قد خَفَّف من هذا العُسر النطقي بتكرار مجموعة من الأصوات المجهورة التي يسهل النطق بها (الميم والنون والياء والألف) ، فخلق بذلك توازنًا صوتيًا بين الهمس والجهر أكسب إيقاع الأبيات كثيرًا من الجمال المستند إلى عنصر التنويع.

غير أن تكرار الصوت في شعر الجواهري لم يسلم ـ أحيانًا ـ من الخلل، فإذا كانت الغاية من التكرار هي اتساق الإيقاع، فإن تكرار صوت الحاء بكثرة يؤدي إلى عُسْر في النطق، كما في قوله [2] :

أَصِخْ لِتَلْحِينِ رُوحِي وَهْيَ نَاقِمَةٌ ... فَمَا يَهُزُّكَ لَحْنُ الرُّوحِ إِنْ تَطِب

وقد أرجع الدارسون أسباب عسر النطق إلى عوامل أهمها الجهد العضلي المبذول عند النطق بالصوت، والحاء صوت حلقي يحتاج إلى هذا الجهد، فإذا أضيف إلى ذلك أنه يتصف بالرخاوة والهمس أيضًا، تأكد أنه من الحروف المجهدة للنطق، وقد اجتمع في البيت السابق بعض الحروف التي تعد من الحروف التي يصعب على المتكلم النطق بها، كالصاد والطاء المُطبقين، والقاف والكاف اللذين هما من حروف أقصى اللسان، والهمزة والخاء والهاء وكلها من حروف الحلق [3] .

ولا يقتصر تكرار الصوت في شعر الجواهري على تكرار صوت واحد، بل قد يعمد الشاعر إلى صوتين معًا فيكررهما تحقيقًا لغاية جمالية في الإيقاع المتحرك لنصوصه، وتبدو ظاهرة تكرار صوتين أغنى إيقاعيًا من تكرار صوت واحد [4] ، حتى ذهب بعض الدارسين إلى أن تكرار صوتين

(1) الديوان: 5/ 121.

(2) م. ن: 2/ 203.

(3) موسيقى الشعر: 35، وفي سيمياء الشعر القديم: 32، ومن جماليات إيقاع الشعر العربي: 294.

(4) البناء الصوتي في البيان القرآني: 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت