ولا يقتصر تكرار الصوت في أكثر من بيت واحد على صوت النون، ففي رثاء الشاعر زوجته كرّر صوت حرف التاء على مدى أربعة أبيات متعاقبة تكرارًا يوحي بمضمون الأبيات، أو يُقوّي من الاستجابة لهذا المضمون من طرف المتلقي، يقول [1] :
لَيْتَ الحَيَاةَ وَلَيْتَ المَوْتَ مَرْحَمَةٌ ... فَلا الشَّبابُ ابْنُ عِشْرِينٍ وَلا لُبَدُ
وَلا الفَتَاةُ بِرَيْعانِ الصِّبَا قُصِفَتْ ... وَلا العَجُوزُ عَلَى الكَفَّيْنِ تَعْتَمِدُ
وَلَيْتَ أَنَّ النُّسُورَ استُنْزِفَتْ نَصَفًَا ... أَعْمَارُهُنَّ وَلَمْ يُخْصَصْ بِهَا أَحَدُ
حُيِّيْتِ"أُمَّ فُرَاتٍ"إِنَّ وَالِدَةً ... بِمِثْلِ مَا أَنْجَبَتْ تُكنَى بِمَا تَلِدُ
إن صوت الفاء المهموس الذي يعسر النطق به مكررًا في الكلام، شأنه في ذلك شأن سائر الحروف المهموسة التي تحتاج إلى جهد أكبر عند النطق بها من غيرها، يوحي أو يقوي بتكراره من دلالة الأبيات التي اشتملت على أمنية عسيرة المنال، مُجهِدة للفكر.
وربما كرر الشاعر حرف الروي في حشو الأبيات هادفًا من وراء ذلك إلى تقوية إيقاع حرف الروي وتعزيزه بما مرَّ من حروف مماثلة له في الحشو، ومن ذلك قوله [2] :
وَالوُجُوهُ الحَيِيَّةُ الخَفِرَاتُ
وَالنُّفُوسُ الفَيَّاضَةُ الخَيِّرَاتُ
وَالشِّفَاهُ النَدِيَّةُ العَطِرَاتُ
كُلُّ خَصْرٍ بِكُلِّ كَفٍّ يُلَفُّ
وَشِفَاهٌ عَلَى شِفَاهٍ تَرِفُّ
وَقُلُوبٌ مِنْ صَفْوِهَا تُسْتَشَفُّ
فقد كرر في الأبيات الثلاثة الأولى صوت التاء في نهاية الكلمة السابقة لكلمة القافية، مِمّا جعل تكرار التاء يأتي في الموضع نفسه كُلَّ مرة، فإذا أضيف إلى ذلك تكرار الروي (وهو حرف ثابت الموقع في نهاية البيت) ، أصبحت الحصيلة تكرار التاء ست مرات، كل ثلاثة منها في الموضع نفسه من الأبيات الثلاثة، ولا يخفى ما في ذلك من هندسة صوتية موطِّدة للإيقاع العام، وخصوصًا إيقاع حرف الروي، أمّا الأبيات الثلاثة الأخرى فقد تكرر فيها صوت الفاء، الذي هو حرف الروي في الوقت عينه، تكرارًا حرًا كان الهدف منه تضمين نغمة حرف الروي في
(1) الديوان: 2/ 351.
(2) م. ن: 3/ 359.