مُدِّي إِلَيَّ يَدًَا تُمْدَدْ إِلَيْكِ يَدُ ... لا بُدَّ فِي العَيْشِ أَوْ فِي المَوْتِ نَتَّحِدُ
وممّا لا شكَّ فيه أن هذه الأبيات كلَّها قد توفرت على درجة عالية من التناغم الإيقاعي بفعل تكرار الصوت مرات عديدة،"فإذا ما تكرر صوت الحرف كان كأنه نقرة تتبع أخرى على وتر واحد، فيتميز الرنين، ويقوى باعث الإيقاظ والتأثير، وقُلْ ضِعف ذلك إذا تكرر حرفان" [1] ، غير أن الظاهرة اللافتة للنظر في مجال تكرار الصوت، هي أن الجواهري يميل ميلًا شديدًا إلى تكرار صوت النون، سواء أكان حرفًا من بنية الكلمة، أم ناشئًا من ظاهرة التنوين التي تلحق الكلمة؛ وذلك راجع إلى الطاقات النغمية العالية لهذا الصوت، فعلماء الأصوات يصفونه بأنه صوتٌ أغنُّ لا تنفكُّ عنه الغُنَّة [2] ، كما يصفونه بالذلاقة التي هي الخفة والسلاسة على اللسان [3] ، وهو شبيه بالحركات في خاصية صوتية مهمة هي الوضوح السمعي [4] ، ولم يغفل النقاد القيمة النغمية لهذا الصوت، فقد قادتهم رهافة حسهم الإيقاعي، وحُسنُ تذوقهم للصوت، إلى الوقوف عنده، والإشادة به، كما فعل أبو العلاء المعري الذي نعت النون بأنها"قَيْنَة الحروف" [5] ، وأطلق عليها باحث حديث تسمية"الحرف النَّوَّاح" [6] ، ووصفها آخر بأنها"فريدة النغم، عجيبة الصوت" [7] ، وأشار آخرون إلى طاقة التنغيم والغناء الكامنة فيها [8] ؛ أما الجواهري فقد كان صاحب موقف تطبيقي من هذا الصوت يتمثل في إكثاره من تكراره في شعره، ومن ذلك قوله [9] :
هُنَّ .. هُنَّ الدُّنيَا وَهُنَّ حَيَاةٌ ... لِمُهَانٍ .. وَهُنَّ حَتْفُ مُهِين
فهذا بيتٌ واحدٌ من الشعر احتضن ثلاثة عشر تكرارًا لصوت النون، بالنظر إلى التشديد على أنه صوتان مُدغمان.
وأحيانًا يوسِّع الشاعر مدى تكراره لصوت النون إلى أكثر من بيت واحد كما في قوله [10] :
مُنافِقُونَ يُرُونَ النَّاسَ أَنَّهُمُ ... شُمٌّ، أُبَاةٌ، أَمَاجِيدٌ، مَصاحِيبُ
(1) البناء الصوتي في البيان القرآني: 91.
(2) المدخل إلى علم أصوات العربية: 129، والأصوات اللغوية: 280.
(3) علم الأصوات: 361، والأصوات اللغوية: 278.
(4) علم الأصوات: 358، ومنهج النقد الصوتي في تحليل الخطاب الشعري: 47، وحروف القرآن: 103.
(5) رسائل أبي العلاء المعري: 2/ 395.
(6) التجديد الموسيقي في الشعر العربي: 10.
(7) مقامات السيوطي ـ دراسة: 155.
(8) لامية المتنبي (ما لنا كلنا جو يا رسول) قراءة إيقاعية: 160، وشعرية الإيقاع: 221، وموسيقى الشعر العربي بين الثبات والتطور: 32، وفي حداثة النص الشعري: 99.
(9) الديوان: 5/ 190، وينظر: 2/ 87 و337 و352 و353.
(10) م. ن: 4/ 160ـ161.