فأفرط في القراءة بعض الناس، كما فرط فيها آخرون، وكذلك في الأذكار وغيرها؛ فيوسوس الشيطان للبعض بأنكم لا تحققون القراءة والحروف إلا إذا نطقتم بها على هذه الكيفية، فإذا لم تفعلوا فقد اختلت قراءتكم واختل تكبيركم، واختلت أذكاركم وما إلى ذلك، حتى ذكروا أن بعضا منهم يتكلف في النطق بالقراءة حتى إذا أراد أن ينطق بالضاد ونحوها أخرج بصاقا معها من شدة تكلفه، وتشدده عندما يقول: ? وَلَا الضَّالِّينَ ? [ سورة الفاتحة، الآية: 7 ] أو: ? الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ? [ سورة الفاتحة، الآية: 7 ] ؛ فيكلف نفسه حتى يخرج لعابه وبصاقه من شدة تكلفه، ولا شك أن هذا ما أنزل الله به من سلطان.
وهكذا أيضا تكلفهم في النطق بالتكبير، ونحو ذلك حتى ربما يخرج الكلمة عن وضعها، وما وضعت عليه، فيكرر الكاف ويشددها فيقول: الله أككبر وما أشبه ذلك! وعند قراءة التحيات يشدد التاء فيقول: أت أت التحيات! وما أشبه ذلك حتى تخرج الكلمة عن وضعها، وتخرج عن ماهيتها التي وضعت عليه. ولا شك أن هذا تغيير للكلام عن وضعه، وعن ماهيته وما هو عليه.
وهناك من يفرطون أو يقصرون في ذلك وهؤلاء أيضا على خطر؛ وذلك لأن هنا من لا يأتون بالتكبير كما ينبغي، فيأتي أحدهم بالكلمة دون أن يحقق حروفها، وكذلك في القراءة دون أن يحقق حروفها.
أما الدين فهو الوسط في القراءة وفي التكبير، وفي التشهد، وفي سائر أذكار الصلاة، فلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير، وهو أن تأتي بالقراءة بحروف بارزة ظاهرة يقرعها اللسان دون تكلف في التشديد، ودون تكلف في المد، ودون تقعر وتشدق وتكلف في الفصاحة، ودون تساهل بإدغام كثير من الحروف البارزة، أو عجلة وسرعة يختفي معها كثير من الحروف التي حقها الإبراز، فلا إفراط ولا تفريط.