وكذلك في باب إزالة النجاسات، فترى أحدهم إذا وقعت عليه نجاسة لا يكتفي بغسلها مرتين أو ثلاثا مع زوالها، بل ربما غسلها عشرا أو أكثر من عشر وربما حك جلده حتى يخرج الدم!
3-في باب الاغتسال:
الاغتسال طهارة شرعية، أمر الله الإنسان بعد الجنابة ونحوها أن يغتسل، كما في قوله تعالى: ? وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ? [ سورة النساء، الآية: 43 ] وقوله: ? وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ? [ سورة المائدة، الآية: 6 ] .
فالاغتسال هو تعميم البدن كله بالماء. ففيه أيضا إفراط وتفريط، غلو وجفاء - على ما ذكرنا في الوضوء- فإن هناك من يتشدد فيقيم في الاغتسال ساعة، أو ساعات، وربما دلك جسده، وبالغ في دلكه حتى أخبرني بعضهم أنه يدلك جسده يحكه بأظفاره، حتى يخرج الدم من جلده لمبالغته في حك جسده لِلَّهِ
وهذا بلا شك غلو وإفراط وزيادة، ما أنزل الله بها من سلطان، ولا شك أن الشيطان هدفه ومقصده من ذلك أن يضجر ويستثقل الصلاة ليتركها المرء كما ترك غيرها من العبادات!
وهكذا الذين يكتفون بالمسح، إذا اغتسل أحدهم لا يدلك جسده، بل يُمرّر الماء عليه ولا يبالغ، وهذا أيضا عليه خلل!
وقد عرفنا أن السبب وراء ذلك كله هو الشيطان الرجيم الذي هو عدو للإنسان، وحريص على أن يضله، ويبطل عليه أعماله، كما يبطل عليه عقيدته.
فالشيطان يرى أو يشم قلب الإنسان، فإن رأى فيه تصلبا، ورأى فيه تشددا جاءه من باب الغلو، وجاءه من باب الزيادة، وقال له: أنت لا يكفيك ما يكفي غيرك، بل عليك أن تزيد وتبالغ فإذا توضأ الناس للصلاة فلا تكتفي بالوضوء، بل اغتسل للصلاة!
وإذا توضأ الناس بالمد فلا تكتف به، بل توضأ بالصاع أو بالآصُع لِلَّهِ
وإذا غسل الناس أيديهم ثلاثا، فلا تكتفِ بسبع ولا بعشر، بل زد عليهم حتى تكون أكثر! ويزيّن له أن الأجر على قدر النَّصَب، وأنه كلما كثر العمل كان الأجر عليه أضعافا مضاعفة!