الصفحة 15 من 28

أما الطائفة الثانية: فهم الذين لا يرون لعباد الله الصالحين قدرا، ولا يقيمون لهم وزنا، فلا يحبونهم، ولا يقتدون بهم، ولا يتبعون سيرتهم، بل يحقرون من شأنهم، ويحتقرونهم في أعمالهم، ويدعون أنهم -كما يقولون- أهل تشدد، أو أهل جمود، أو أهل رجعية وتقهقر، أو ما أشبه ذلك من عباراتهم السيئة لِلَّهِ

فهؤلاء قد فرطوا، وأولئك قد أفرطوا لِلَّهِ

أما أهل السنة: فقد توسطوا في باب أولياء الله من الصالحين والمؤمنين والأتقياء فأحبوهم؛ ولكن تلك المحبة لا تصل إلى أن نتمسح بتربتهم، ولا تصل كذلك إلى أن نصرف لهم شيئا من حق الله، كأن نذبح لهم من دون الله؛ بل محبتنا لهم تستدعي أن نبحث عن سيرتهم وسنتهم فنعمل بها حتى نكون مثلهم؛ فإذا رأيناهم يتهجدون بالليل تهجدنا؛ وإذا ذُكِر لنا أنهم يكثرون من القراءة والخشوع أكثرنا من ذلك.

فتحملنا محبتهم أن نعمل مثلهم، وأن نصلح من أعمالنا ما أصلحوه؛ سواء كانوا أولياء أو سادة أو صالحين، أو ذوي فضل، أو ذوي سبق فكلهم في حق الله سواء. نحبهم وتحملنا محبتهم على أن نقتدي بهم. فإذا كنا كذلك نكون متوسطين بين هؤلاء وهؤلاء، لا إفراط ولا تفريط.

هكذا جاء دين الإسلام، فالذين غلوا وزادوا وقعوا في الشرك؛ وذلك لأنهم عظموا هؤلاء المخلوقين، وجعلوا لهم شيئا مما لا يصلح إلا لله، فإن التعظيم عبادة، والعبادة لله وحده؛ لأن العبادة هي التذلل، فإذا كانوا يتذللون عند تلك الأضرحة، ويخضعون ويخشعون؛ فتلك عبادة. وإذا كانوا يتمسحون بهم، ويطوفون بقبورهم، ويطيلون الإقامة عندها؛ فذلك تعظيم، وتلك عبادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت