وذلك لأن هناك فرقتين منحرفتين، الأولى فرطت والثانية أفرطت.
فالمرجئة قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة؛ وسموا بالمرجئة لأنهم قالوا إن الأعمال ليست من الإيمان، فأخروا الأعمال أي أرجئوها، فبذلك سموا.
فعندهم أن من صدّق بقلبه ولو لم يعمل فهو مؤمن كامل الإيمان، فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان، ولا يستحق دخول النار.
وأما الخوارج والحرورية والمعتزلة فقالوا: لا يستحق اسم الإيمان إلا من صدّق بجنانه، وأقر بلسانه، وقام بجميع الواجبات، واجتنب جميع الكبائر، فمرتكب الكبيرة عندهم لا يسمى مؤمنا باتفاق بين الفريقين، ولكنهم اختلفوا هل يسمى كافرا أو لا ؟
فالخوارج يسمونه كافرا ويستحلون دمه وماله (1) .
وأما المعتزلة فقالوا: إن مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، فهو بمنزلة بين المنزلتين (2) .
فجاء المسلمون من أهل السنة والجماعة وأهل العقيدة السلفية فتوسطوا فلا إفراط ولا تفريط، فجعلوا الإنسان مستحقا اسم الإيمان واسم الإسلام، ولو كان معه شيء من الذنوب وشيء من المعاصي، فمرتكب الكبيرة عندهم ناقص الإيمان، قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصيته، فلا ينفون عنه الإيمان أصلا ولا يخرجونه من الإسلام بالكلية كالخوارج والمعتزلة، الذين يكفرون بكل ذنب، فمن أذنب ذنبا أخرجوه من الإسلام، وخلدوه في النار والعياذ بالله.
وكذلك لم يكونوا كالجهمية المرجئة؛ الذين يجعلونه كامل الإيمان، ويبحثون له الاستكثار من المعاصي ويعتقدون أنها لا تضره!
(1) ولهذا كفروا عليًّا ومعاوية وأصحابهما، واستحلوا منهم ما يستحلون من الكفّار.
(2) وهذا أحد الأصول التي قام عليها مذهب الاعتزال.