قال ابن حزم رحمه الله:"وكل ما حرم الله عز وجل من المآكل والمشارب من خنزير أو صيد حرام، أو ميتة أو دم، أو لحم سبع، طائر أو ذي أربع، أو حشرة أو خمر، أو غير ذلك.. فهو كله عند الضرورة حلال، حاشا لحوم بني آدم وما يقتل مَن تناوله، فلا يحل من ذلك شيء، لا بضرورة ولا بغيرها.."
فمن اضطر إلى شيء مما ذكرنا قبل ولم يجد مال مسلم أوذمي فله أن يأكل حتى يشبع، ويتزود حتى يجد حلالًا فإذا وجده عاد الحلال من ذلك حرامًا.. كما كان عند ارتفاع الضرورة..
أما تحليله عند الضرورة فلقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُررتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْر عِلْمٍ إِنَّ ربَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} [المحلى (7/426) والآية من سورة الأنعام: 119] .
وقال ابن قدامة، رحمه الله:"ومن اضطر إلى طعام إنسان أو شرابه، فمنعه مع غناه عنه فهلك، ضمنه، لأن عمر رضي الله عنه قضى بذلك.."
ولأنه قتله بمنعه طعامًا يجب دفعه إليه، فضمنه، كما لو منعه طعامه فهلك بذلك، وإن رآه في مهلكة فلم ينجه لم يضمنه؛ لأنه لم يتسبب إلى قتله، بخلاف التي قبلها..
وقال أبو الخطاب رحمه الله:"يلزمه ضمانه على قياس التي قبلها..". [الكافي (3/71) ] .
والذي يظهر أن المسألتين سواء؛ لأن الأول قادر على إنقاذ النفس من الهلاك بماله، والثاني قادر على ذلك بجهده، والمعرض للهلاك مضطر إلى المال في الأولى، وإلى الجهد في الثانية..
فلا فرق بين من منعه ماله الذي هو في غنى عنه، وبين من منعه جهده الذي لا يضيره بذله لإنقاذ نفس معصومة، وإن حصل له ضرر فهو يسير في جانب مصلحة إحياء نفس مرمنة.
ومثل ذلك - بل أولى منه - الطفل المنبوذ، فإنه يجب على من وجده أن ينجيه من الهلاك عند القدرة..