وهناك فروض الكفاية التي يجب أن يوجد في الأمة من يقوم بها قياما كافيا، وهي العلوم والأحكام الدقيقة التي لا يعلمها إلا الخاصة من المسلمين، كالإفتاء والقضاء، وفقه المواريث، وفقه الأسرة، وفقه المعاملات، وفقه الجهاد، وفقه الحدود والقصاص والتعازير، والفقه السياسي، والفقه الاقتصادي، وعلم اللغة العربية وقواعدها، وعلوم الصناعة، وغيرها...
فهذه العلوم وغيرها مما يحتاج إليه المسلمون في سلمهم وحربهم، يجب أن يوجد فيهم من يتقنها ويقوم بها قياما كافيا، لأن حياتهم لا تستقيم إلا بها، ودينهم لا يحفظ إلا بوجود قائمين بها...
قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُرمِنُونَ لِيَنفِروا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَر مِنْ كُلِّ فِرقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِروا قَوْمَهُمْ إِذَا رجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرونَ} [التوبة (122) ]
فوجوب علم المسلم بما يجب عليه هو أحد الأبواب الدالة على ضرورة حفظ هذا الدين.
المبحث الثاني: وجوب العمل بهذا الدين..
إن أي مبدأ من المبادئ مهما سمت معانيه وقويت حججه وبراهينه، وحسنت صياغة نصوصه لا يكون له أثره الفعال ما دام غير مطبق عملا في واقع الحياة..
وإن النصوص التي تضمنته لتنسى ولو حفظت، وإن معانيه لتضيع مهما فهمت..
ولكن المبدأ الذي تحفظ ألفاظه فلا تنسى..
وتثبت معانيه فلا تضيع..
وينزل احترامه في القلوب فلا يهون..
هو المبدأ الذي يطبقه أهله عملا في واقع لحياة..
فيراهم الناس يتحركون به، وتنقله عنهم الأجيال كما هو لا يحرف ولا يبدل..
لذلك كان حفظ هذا الدين فرضًا على المسلمين ليس في نصوصه فحسب، وإنما في العمل به أيضًا.
ومن هنا أوجب الله تعالى الحد الأدنى الذي يحفظ به هذا الدين على كل فرد من أفراد المسلمين، وهو فرض العين الذي لا يسقط عن أحد ما دام قادرًا على إقامته قدرة عقلية، وهى مناط التكليف، وقدرة فعلية..