فأصول العبادات راجعة إلى حفظ الدين من جانب الوجود: كالإيمان والنطق بالشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج، وما أشبه ذلك.
والعادات راجعة إلى حفظ النفس والعقل من جانب الوجود أيضا، كتناول المأكولات والمشروبات والملبوسات والمسكونات، وما أشبه ذلك.
والمعاملات راجعة إلى حفظ النسل والمال من جانب الوجود، وإلى حفظ النفس والعقل أيضًا، لكن بواسطة العادات..
والجنايات - ويجمعها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر - ترجع إلى حفظ الجميع من جانب العدم.
والعبادات والعادات قد مثلت، والمعاملات ما كان راجعًا إلى مصلحة لإنسان مع غيره، كانتقال الأملاك بعوض أو غير عوض، بالعقد على الرقاب أو المنافع أو الأبضاع..
والجنايات ما كان عائدًا على ما تقدم بالإبطال، فشرع فيها ما يدرأ ذلك الإبطال، ويتلافى تلك المصالح، كالقصاص والديات للنفس، والحد للعقل، وتضمين قيم الأموال للنسل، والقطع والتضمين للمال، وما أشبه ذلك.
ومجموع الضروريات خمسة: وهى حفظ الدين والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وقد قالوا: إنها مراعاة في كل ملة..". [الموافقات (2/4) بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد] ."
ثم قسم الشاطبي رحمه الله الضرورات في موضع آخر قسمين:
قسم للإنسان فيه حظ عاجل، مما يعود عليه وعلى عياله من المصالح الدنيوية، كالبيع والشراء والنكاح والإجارة، وما شابه ذلك..
وذكر أن هذا القسم يوجد في نفس الإنسان من الدواعي والبواعث إليه ما يدفعه إلى طلب ما يحتاج إليه منه، فلم يركد عليه في طلبه..
ولذلك يأتي طلبه منه في معرض الإباحة أو الندب، اكتفاء بالباعث الجبلي إلى طلبه.
والقسم الثاني: ما ليس له فيه حظ عاجل، مقصود، كفروض الأعيان، من صلاة وزكاة وصيام وحج، وهذا القسم أكد الشارع القصد إلى فعله بالإيجاب والتحريم، وأقيمت عليه العقوبات الدنيوية.