الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 165
أنه إله عن أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ عند اللّه لا يستنكفون أن يكونوا عبيدا وهذا من أحسن الاستطراد ذكر للرد على من زعم أنها آلهة أو بنات اللّه كما رد بما قبله على النصارى الزاعمين ذلك المقصود خطابهم وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) أن يكون عبدا للّه تعالى مستمرا على عبادته وطاعته حسبما هو وظيفة العبودية. كيف وأن ذلك أقصى مراتب الشرف اهـ أبو السعود.
وفي المصباح: نكفت من الشيء نكفا من باب تعب، ونكفت أنكف من باب قتل لغة، واستنكفت إذا امتنعت أنفة واستكبارا اهـ.
وفي البيضاوي: والاستكبار دون الاستنكاف، ولذا عطف عليه، وإنما يستعمل الاستنكاف حيث لا استحقاق بخلاف التكبير، فإنه قد يكون باستحقاق اهـ.
وفي الخازن لن يستنكف المسيح أن يكون عبد اللّه وذلك أن وفد نجران قالوا: يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول إنه عبد اللّه، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنه ليس بعار على عيسى أن يكون عبد اللّه» ، فنزلت: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ اهـ.
قوله: (يستنكفون أن يكونوا عبيدا) أشار به إلى أن خبر الملائكة محذوف لا أنه عطف على المسيح إذ يصح الاخبار عن الملائكة بعبيدا لأنه مفرد اهـ شيخنا.
وعبارة الكرخي: قوله: أن يكونوا عبيدا أي مع أنهم لا أب لهم ولا أم وقوتهم فوق البشر، فكيف بالأضعف الذي له أم اهـ.
قوله: (هذا) أي قوله: ولا الملائكة من أحسن الاستطراد أي ومحله في سورة الزخرف عند قوله: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا الخ، وقوله: الزاعمين ذلك أي أن عيسى ابن اللّه أو إله معه أو ثالث ثلاثة تأمل. وفي الكرخي: قوله: هذا من أحسن الاستطراد الخ لا يخفى أن الاستطراد الانتقال من معنى إلى معنى آخر متصل به، ولم يقصد بذكر الأول التوصل إلى ذكر الثاني، وعليه قوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا [الأعراف: 26] الآية هذا أصله، وقد يكون الثاني هو المقصود فيذكر الأول قبله ليتوصل إليه كما هنا، فيكون من الاستطراد الحسن اهـ.
قوله: وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ الخ وكذا من لا يستنكف ولا يستكبر فلا بد من ملاحظة هذا المقدر كما يدل عليه عموم الجواب، وهو قوله: فسيحشرهم الخ، إذ الحشر عام للمؤمنين والكافرين، وكما يدل عليه التفصيل بقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا إلى أن قال وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا فقد حذف من الإجمال ما أثبت في التفصيل. وعبارة أبي السعود: فسيحشرهم إليه جميعا أي المستنكفين ومقابليهم المدلول عليهم بذكر عدم استنكاف المسيح والملائكة عليهم السّلام، وقد ترك ذكر أحد الفريقين في المفصل تعويلا على أنباء التفصيل عنه وثقه بظهور اقتضاء حشر أحدهما لحشر الآخر ضرورة عموم الحشر للخلائق كافة، كما ترك ذكر أحد الفريقين في التفصيل عند قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ [النساء: 175] مع عموم الخطاب لهما اعتمادا على ظهور اقتضاء إثابة أحدهما العقاب