الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 166
في الآخرة
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ثواب أعمالهم وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا عن عبادته فَيُعَذِّبُهُمْ عَذابًا أَلِيمًا مؤلما هو عذاب النار وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وَلِيًّا يدفعه عنهم وَلا نَصِيرًا (173) يمنعهم منه
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ حجة مِنْ رَبِّكُمْ عليكم وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) بينا وهو القرآن
فَأَمَّا الَّذِينَ الآخر ضرورة شمول الجزاء للكل. وقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بيان لحال الفريق المطوي ذكره في الاجمال وإيراده بعنوان الإيمان والعمل الصالح لا يوصف عدم الاستنكاف المناسب لما بعده وما قبله للتنبيه على أنه المستتبع لما يعقبه من الثمرات اهـ بحروفه.
قوله: جَمِيعًا حال من الهاء في يحشرهم أو توكيد لها اهـ شيخنا.
والفاء في قوله أو فسيحشرهم يجوز أن تكون جوابا للشرط في قوله: وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ فإن قيل:
جواب إن الشرطية وأخواتها غير إذا لا بد أن يكون محتملا للوقوع وعدمه، وحشرهم إليه جميعا لا بدّ منه، فكيف وقع جوابا لها؟ فقيل: في جوابه وجهان، أحدهما: وهو الأصح أن هذا كلام تضمن الوعد والوعيد، لأن حشرهم يتضمن جزاءهم بالثواب أو العقاب، ويدل عليه التفصيل الذي بعده في قوله:
فَأَمَّا الَّذِينَ الخ، فيكون التقدير ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فيذبه عند حشره إليه ومن لم يستنكف ولم يستكبر فيثيبه. والثاني: أن الجواب محذوف أي فيجازيه ثم أخبر بقوله: فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا وليس هذا بالبين. وهذا الموضع يحتمل أن يكون مما حمل على لفظ من تارة في قوله:
يستنكف ويستكبر، فلذلك أفرد الضمير وعلى معناها أخرى في قوله: فَسَيَحْشُرُهُمْ ولذلك جمعه ويحتمل أنه أعاد الضمير في فسيحشرهم على من وغيرها، فيندرج المستنكف في ذلك ويكون الرابط لهذه الجملة باسم الشرط العموم المشار إليه. وقيل: بل هناك معطوف محذوف لفهم المعنى، والتقدير فسيحشرهم أي المستنكفين وغيرهم كقوله: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: 81] أي والبرد اهـ سمين.
قوله: (ما لا عين رأت الخ) مفعول يزيد أي ان ذلك من مواهب الجنة وهي موصوفة بهذه الصفات الثلاث. والمراد أنها لم تخطر على قلب بشر على وجه التفصيل وإحاطة العلم بها، وإلا فسائر نعيم الجنان يخطر على قلوبنا ونسمعه من السنة، لكن على وجه الإجمال اهـ.
قوله: وَلِيًّا (يدفعه عنهم الخ) هذا التفسير يؤدي إلى التكرار بين الكلمتين. قال: الأولى ما قاله أبو السعود ونصه: ولا يجدون لهم من دون اللّه وليا يلي امورهم ويدبر مصالحهم وَلا نَصِيرًا ينصرهم من اللّه تعالى وينجيهم من عذابه اهـ.
قوله: مِنْ رَبِّكُمْ فيه وجهان، أظهرهما: أنه متعلق بمحذوف لأنه صفة لبرهان أي برهان كائن من ربكم ومن يجوز أن تكون لابتداء الغاية أو تبعيضية أي من براهين ربكم. الثاني: أنه متعلق بنفس جاء، ومن لابتداء الغاية كما تقدم اهـ سمين.