ثم يثار سؤال: هل هذا توجه ينفى أن تكون الدعوة جماهيرية ويجعلها جملة تجمهرات صغيرة وتجمعات عديدة، كل صانع ومن معه؟
ولم يكن المقصود هذا، مرة أخرى، فإن المعايير الخططية والتدرجات المرحلية إذا سوغت الصفة الجماهيرية فهى سائغة عندنا لا ننكرها، ولكن في طريقة صناعة الحياة ربط بالولاء الواعى القوى الخاص الذى هو أقوى من الروابط العاطفية الحماسية القصيرة المدى التى يولدها العمل الجماهيرى عادة، ولا بأس أن تكون هناك أساليب في عملنا تؤدى إلى هذا الولاء العام للجمهور لنا، من حفلات ومسيرات ومخاطبات إعلامية ونبرات إثارة لاهبة، ولكن هناك خط إمداد والتقاط خلفى أولى يمثله صناع الحياة، ثم خط تركيز خلفى ثان تمثله التربية الأسرية، ثم خط تطوير ثالث يمثله البناء التخصصى لصناع حياة جدد، ينزلون إلى الميدان مرة أخرى صناعًا وقد كانوا قبل سنوات في سواد الجمهور، فتكون الدورة الحياتية- التى هى سنة المخلوقات - تامة دائرة سائرة، مبرهنة في النهاية على ما برهناه في البداية من تعلق الاهرة الدعوية بالظواهر الكونية القدريةـ، وسبحان الله أولًا وآخرًا .
ويتساءلون: هل هذا إلغاء لدور التربية العقائدية واللجوء إلى ربط الناس بنا من خلال المصالح والخدمات، بما يقدمه الطبيب أو المهندس أو التاجر؟ .
والجواب: كلا، فلسنا مثل الأحزاب الغربية في البلاد الرأسمالية التى تتسابق إلى كسب الناس من خلال تقديم الخدمات، وإن كانت خدمة الناس من الحق، وهى من فضائل الإيمان، وخير الناس أنفعهم للناس، ولكننا نميز معنى التمايز، وحبنا وبغضنا هو في الله، والمسلم أخ لنا، والملحد نعاديه ونكبته، ونحتكم إلى الشرع إذعانًا لله تعالى وطاعة، ونغرس في الناس هذا امعنى من الامتثال والتسليم، ونضع القرآن فرقانًا بيننا وبين قومنا وحكامنا، والجبار المتعجرف عندنا صغير في أدنى التضاؤل، والضعيف الموحد كبير في ذرى التسامى والله أكبر.