وصانع الحياة في الوصف الآخر هو: مؤسسة، ليس فقط بمعنى أنه يقوم بدور كبير يشبه أدوزار المؤسسات، وهذا وصف صحيح، وإنما بمعنى قدرته على توظيف طاقات أخرى معه أيضًا، فكثرة من الدعاة أصحاب القابليات الضعيفة والمتوسطة لا يستطيعون شق طريقهم الدعوى بأنفسهم، ويريدون من يأخذ بأديهم ويقطع حيرتهم وتلفتهم، ويبقون كالغرباء في مدينتهم، من أثر فطرة فطروا عليها وحياء وخوف من مسؤولية تحمل القرار، وحب للظل، وضمور عندهم في جانب الابتكار، فيأتى صانع الحياة ويجعلهم من حوله حلقة دائمة النفير، ويستخرج من طاقاتها المكنونة ما لم تكن هى نفسها تعلم امتلاكها له، فيحدث بذلك زخم دعوى قوى يترك آثاره، وتنقطع نفوس الأتباع عن الوسوسة والحسد، فما تعود ثم فتنة أو لغط، وإنما يكون الصانع وأتباعه كتلة عاطفية فكرية مادية ثقيلة الوزن، تفعل الأفاعيل وتأتى بالأعاجيب.
ومن هنا فإن تطبيق نظرية صناعة الحياة يعتبر من أقوى وأنجع الحلول لظاهرة الفتور في المحيط الدعوى.
وكل هذا إنما هو من فروع (الظاهرة التربوية) و (المسألة التربيوية) التى سبق لى أن شرحتهما في مجلة المجتمع أواسط سنة 1972، وخلاصة مفادهما: قابلية النفس الإنسانية على التأثر بالمسموع والمنظور، وهو اكتشاف اكتشفه الإنسان مع بداية عصر الحضارات، مما جعل أهل التأثير في محاولات دائبة مستمرة لتجويد كلامهم وتكلف إبداء مناظر ذات مدلول خاص يلتقى مع العقدية التى يروجون لها أو الفكر الذى يشيعونه، فصارت البلاغة آلة من آلات التربية، لقابليتها على إدخال معنى معين في روع السامع أو القارئ ما كان ليعتقده لو أنه قيل بركاكة. وكذا صار الشعر من آلات التربية، لمبناه الجمالى الملتقى مع الحاسة الجمالية في النفس الإنسانية .