فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 109

إن حمل عقيدة ما يولد قضية تربوية في الدعوة إليها والثبات عليها، وهذه القضية التربوية تولد مواقف سياسية وسيرة مبدئية وتيارات عاطفية عارمة لا يمكن أن يصدها عن هدفها صاد، فالمال يبذل، والأرواح تزهق.

وكذلك تكون الحياة، وكذلك تبنى من خلال التحدى والصراع.

لقد جعل انطونيو أهل روما يلعنون قيصر إذ مازالت جثته مضرجة بدمائه.

فما الذى مكن انطونيو أن يخطب خطبته تلك؟

ولو كان جالسًا في بيت أمه هل كان سيستطيع أن يخطب بتلك البلاغة؟

إن أمه ربما كانت تخبز له، ولكنها لا تعلمه الفصاحة، وإنما تعلم الفصاحة من مشافهة الرجال والدرس على علماء اللغة، وعلمه التجول والاختلاط والعيش في البيئة السياسية، فلما خطب: عرف كيف يخطب وكيف يتلاعب بالمشاعر، وكيف يدغدغ العواطف، فيقلبهم من موطن النقمة عليه إلى موطن التأييد له.

وبين انطونيو وفصحاء العرب الذين روى الأصمعى والفراء خطبهم أجيال عديدة، وكلهم على هذا النمط.

وبين خطب العرب وخطابات هيوستن وعلى شريعتى نسب، ويجمعها جذر واحد، ثم الجميع وانطونيو أستاذهم هابيل في بدء الحياة البشرية حين خطب خطبته العاصمة وقال: إنى أخاف الله رب العالمين ...

قد وضح الطريق، وتأكد لدينا أن برج السيطرة هو الذى يهيمن على حركة الحياة .

وليس اعتلاؤه بالهين، ويحتاج بجالًا هم الرجال حقًا، وفى طبقات واسعة تنتشر على أرض العلوم والفنون، وفى الأسواق، وفى ذرى الجبال.

ولكن مع ذلك يتميز من هؤلاء الرجال نفر قليل هم الحلقة الأهم في السلسلة .

(الأول) : هو الرجل الفذ الذى يقود، فإن هذه القيادة الجماعية الواسعة لحركة الحياة من قبل مئات المبتكرين المبدعين أصحاب الأداء الجيد لا تغنى عن وجود هذا الرأس الذى يمتاز بالشمول وعمق الإيمان بالله وبالقدر وبالقضية، وهو مقدام قوى الشخصية، يقول فيفعل، ويصمم فيثبت، ويدق صدره فيقتحم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت