نعم من حق الناس الخوف على الجهاد ممن أتاه وهو يراه لأمرٍ قريب وينتهي بالانتهاء منه، فهو بعد مدة سيبيع دماء الشهداء، وسيجالس الطواغيت، ويقبل أنصاف الحلول في الجمع بين النور والظلمات وبين الردّة والإسلام وبين الكفر والإيمان، فهؤلاء يجب الحذر منهم، ومثل هؤلاء يُعرَفون بالسوابق من أفعالهم، وكما قال الله عن أسلافهم: {وَلَتَعْرِفَنَّهُم فِي لَحْن الْقَوْل} .
ومما يستحق الرصد أن الدعوة للوحدة عند البعض تعني الدخول في طاعته، والالتزام بمذهبه، والامتثال لأمره، والالتقاء على جماعته، والا فالتفرّق يصبح قَدَرًَا مقبولًا، والمخالف شريرٌ يستحق الإبعاد والتعيير والسب.
والحق أن التفرّق على الحق خيرٌ من الوحدة على الباطل، والوضوح إن كان يُفَرّق الناس فهو خيرٌ من التستُّر والخفاء الذي مآله إلى الاقتتال الداخلي والحرب بين الإخوان وأصحاب الأمس. ليعرض الناس ما عندهم بوضوح، وليقل الناس مقالاتهم التي يعتقدونها، وليبتعدوا عن مبدأ التوريط الذي يمارسه أهل الشر والفساد، فإن قاعدة الوجود ما زالت تعمل عملها: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} .
وأقول بعض الأمور مما تجول في النفس من رصد بعض الظواهر:
لقد علمتم أن الجهاد قد قاده أناسٌ أحسنوا إليه، وأيدهم الله تعالى بتأييدٍ من عنده، وصبروا حين خذلتهم الجموع، وسَبّهم الجاهل والمُبطل، ولَمّا صار الجهاد قَدَر هذه الأُمَّة ولحق به من ذَمَّهُ من قبل، جاء هؤلاء ليقولوا:"نحن أحقُّ بإمامة الجهاد منكم!"ليقول أصحاب السبق لهم: خذوه هنيئًا مريئًا، ولتهنكم منازلكم الجديدة التي ادعيتموها، لكن هل حقًا أنتم على مستوى هذه الأُمَّة وما يترتب عليها من بلاء؟
نذكركم بقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} ، واعلموا أن أمر الجهاد اليوم له ما بعده، فإن أتيتموه وأنتم تظنون أن زهرته قد أينعت وجاء وقت قطافها فأنتم مخطؤون، فلقد صار هذا لأقوامٍ من قبلكم فذهبوا إلى حيث النسيان إن عاشوا وإلى الآخرة بالذم من الناس إن ماتوا، ولم يبقَ في الأرض إلا عمدها التي ثبتت وصبرت.
وللحديث بقية مع حبل الله تعالى.