كل مسلمٍ يعلم دين الله تعالى يؤمن أن الأُمَّة لا قيامَ لها في حال إلا بالعلماء، ولا صلاحَ لها إلا بصلاح العلماء، بل لا تكوينَ لمفهوم الأُمَّة إلا بهم، الذين هم عِمادها بلا ترددٍ ولا شك، وحين يستقر هذا المفهوم في النفس فإن الواجب على من فقهه أن يجعل العلماء، كل العلماء من المسلمين هم من مرجعيات الجهاد حين الاتحاد والوحدة بلا استثناءٍ ولا إقصاء، فكل من ظهر صلاح مقصده وأُمِنَ شرُّه المُتَقَدّم ذكره فقط يُرجَع إليه في النوازل والملمات الفقهية والعلمية.
الجهاد في الإسلام صبغته إسلامية جامعة، والمدارس الفقهية لا وجود لها في باب الجهاد، لأن هذه المدارس داخل الصف الإسلامي ولا علاقة لها بجهاد المرتدين والزنادقة، ولذلك فلا يقتصر في باب المرجعية للجهاد مدرسةٌ فقهيةٌ دونَ أخرى بل هو الإسلام السُنّي مقابل الزنادقة والمرتدين، ولذلك قول البعض أن هذه جماعةٌ سلفية مقابل جماعةٍ حنفية أو شافعية أو أشعرية تقسيمٌ للجهاد وإفسادٌ لحبل الله الذي أمرنا الله تعالى بالاجتماع عليه، ومما يؤسف له أن البعض يرسل حبله طويلًا مبتدءًا من المدرسة الفقهية كما يزعم ليصلها بنظامٍ يرتبط بهذه المدرسة أو تلك، وهي طريقةٌ تَقَدَّمَ ذكرها من فتح الدكاكين، حيث أن البعض من المغفلين ممن تغرهم شعارات المدارس الفقهية دون النظر لحقيقتها فيوالي على هذا الشعار دون غيره، وهي حبلٌ يصحُّ فيها قول الله تعالى عن إبليس: {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} ؛ فحبله يصلح لهذه الألعاب، وبه يُدلَّى الفاسد والجاهل والغبي إلى حفرة الشر والفساد والنار.
لا يوجد شيءٌ جديدٌ في هذا الباب يصحُّ الاجتهاد فيه، فكل علماء الإسلام هم مرجعية المسلم في دعوته وعبادته وجهاده، يقدم فيها المسلم من ظن أنه الأقرب للحق، والأفضل في الدين والتقوى ومعرفة الصواب، وبهذا يبتعد المسلم عن منهج اليهودية الفاسد كما قال الله تعالى عنهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ} ، وهو مع ذلك لا يعمل بما حكم عليه العلماء بالزندقة في قولهم:"من أخذ بزلة كل عالم تَجَمَّعَ فيه الشر كله"، وفي قول بعضهم:"فقد تزندق"؛ فهو وسطٌ في هذا، يتذكر وهو يسأل ويتبع أن هذا جهادٌ ففي سبيل الله تعالى، وأن المقصود به عبادة الله تعالى، والله لا يصلح عمل المفسدين كما قال سبحانه، وليتذكر أن هذا العمل قبوله ورده إنما مردّه إلى الإخلاص والصواب، ويضاده قوله تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} ؛ ولذلك كل التصنيفات التي يلمز الناس بعضهم بها في باب الجهاد هي ضلالٌ ومفسدة، وإنما يُحكَمُ على المرء بما يعلم من دينه وتحريه للحق.