فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 317

ومن علماء الكلام من ذهب إلى أن المحبة لا تجوز في حق الله، وتأول ما جاء في الكتاب والسنة، ومن ذلك بأن المراد به الطاعة، فالعبودية هي الذل والخضوع لله سبحانه لا غير.

وفي الرد على هؤلاء يقول ابن تيمية بعد أن ذكر أن الخلة والمحبة لله تحقيق عبوديته:

"وإنما يغلط من يغلط في هذه من حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذلك وخضوع فقط، لا محبة معه، وأن المحبة فيها انبساط في الأهواء، أو إذلال لا تحتمله الربوبية، ولهذا ذكر عن ذي النون (1) : أنهم تكلموا عنده في مسألة المحبة، فقال: أمسكوا عن هذه المسألة، لا تسمعها النفوس فتدعيها".

"وكره من كره من أهل المعرفة والعلم مجالسة أقوام يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية، وقال من قال من السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ (2) ، ومن عبده بالخوف فهو حروري (3) ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء، فهو مؤمن موحد".

والذي دعا هذا القائل من السلف إلى اتهام من عبد الله بالحب وحده بالزندقة والمروق إنما هو غلو فريق من الناس انتهى به المطاف في دعوى الحب لله أن زعم لنفسه أنه وصل إلى حال مع الله لم تعد فيها لتكاليف الشرع فائدة عنده، فقد عبد ربه حتى أتاه اليقين! وليس بعد اليقين شيء، فسقط عنه الأمر والنهي، وأحل له شرب الخمر والمعاصي!!

(1) ذو النون المصري: أحد مشاهير العُبّاد الزاهدين العارفين، له أقوال كثيرة في الزهد وأحوال القلوب، واسمه: ثوبان بن إبراهيم، من أهل مصر، وهو نوبي الأصل، توفي بمصر سنة 245 ه-.

(2) المرجئة: فرقة يحكى عنها: أنها كانت تقول: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة.

(3) الحرورية: نسبة إلى"حروراء"موضع بالعراق، وهو الذي قاتل فيه علي - رضي الله عنه - الخوارج. فالمراد بالحرورية هنا: الغلاة الذين يكفرون المسلم إذا ارتكب كبيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت