فليس من سياسة الإسلام أخذ الأموال من القرى لتنفق على العواصم الكبرى، وإنما تنفق الزكاة حيث جمعت، وهذا ما يقضي به العدل، وحسن التنظيم والتوزيع، وإشعار الفقير في كل بلد بأن له نصيبا في هذا المال الذي يراه، فيحرص عليه، وهذا ما جعل الناس في عصرنا ينتبهون إلى نظام"الإدارة المحلية"وينتفعون بمزاياه.
هذا إلى أن الإسلام قد حدد الجهات التي تصرف إليها فيها الزكاة، فلم يدعها لأهواء الحاكمين ينفقون منها على مظاهر الترف لهم، أو على الأتباع والأنصار من حولهم، ولم يدعها كذلك لرغبات الطامعين فيها وهم لا يستحقونها.
وفي عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تطلعت أعين جماعة من المنافقين إلى أموال الصدقات وسال لعابهم لأخذها، وفيهم قال تعالى:
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة: 58] .
ثم بين الله تعالى مصارف الزكاة بقوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] .
وهكذا تولى الله بنفسه في كتابه توزيع الزكاة، فليس لبشر بعد ذلك أن يحولها عن مصارفها الثمانية إلى مصارف تخدم هواه ما أنزل الله بها من سلطان.
الصنف الأول والصنف الثاني: الفقراء والمساكين
أول هذه المصارف أو الأصناف هم"الفقراء"وثانيهما"المساكين"