فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 317

ويرسل عمر إلى عبد الرحمن بن عوف يستسلفه أربعمائة درهم، فقال عبد الرحمن: أتستسلفني وعندك بيت المال؟ ألا تأخذ منه ثم ترده؟ فقال عمر: إني أتخوف أن يصيبني قدري فتقول أنت وأصحابك: اتركوا هذا لأمير المؤمنين، حتى يؤخذ من ميزاني يوم القيامة، ولكني أتسلفها منك لما أعلم من شحك، فإذا مت جئت فاستوفيتها من ميراثي!"."

وهذا علي يدخل عليه بعض الناس فلا يجد عليه إلا قطيفة خلقة، وهو يرعد فيها من البرد، فيقول: يا أمير المؤمنين، إن الله تبارك وتعالى قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال نصيبا، وأنت تفعل هذا بنفسك! فقال: إني والله ما أرزؤكم شيئا" (1) ."

فمن ذا الذي يزعم بعد ذلك أن الزكاة تجمع في بيت المال لنفقها الخلفاء والحكام فيما يشتهون؟!

على أن هدى الإٍسلام في الزكاة أن توزع أولا في الأقاليم التي جمعت منها، كما نبهت على ذلك السنة: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ إِلَى فُقَرَائِهِمْ» (2) وعن عمران بن حصين إنه استعمل على الصدقة فلما رجع قيل له: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناه من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووضعناه حيث كنا نضعه" (3) ."

فإذا فضل شيء من الزكاة عن حاجة أهل البلد جاز نقله إلى من يستحقه في مكان آخر أو إلى بيت المال المركزي، وقد روى أبو عبيدة: أن معاذا بعث إلى عمر من اليمن بثلث الزكاة، فأنكر ذلك عمر وقال: لم أبعثك جابيا، ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد على فقرائهم، فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحدا يأخذه مني (4) .

(1) هذه الآثار عن موقف الخلفاء من بيت المال، ذكرها أبو عبيدة في الأموال، ص 266 وما بعدها.

(2) رواه الشيخان.

(3) رواه أبو داود.

(4) الأموال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت