إلاّ فقرًا يومًا بعد يوم، رغم كل ذلك فإنك ونظام حكمك أغرقتم البلاد في بحر من الديون التي ليس في الأفق مؤشر على إمكانية التخلص حتى من فوائدها الربوية في ظل عجز الدولدولة عن تسديد مجرد تلك الفوائد الربوية، وكمثال على حجم تلك الديون، ففي سنة 1411 هـ الموافق 1991 م لوحدها التجأتم إلى اقتراض عشرات مليارات الدولارات من البنوك المحلية والعالمية، وقد حلت هذه الديون بفوائدها الربوية المركبة سنة 1414 هـ الموافق 1994 م. دون أن تتمكن الدولة من الوفاء بالتزاماتها لأصحابها مما يعني أنّ تسديد مجرد الفوائد الربوية سيبقى يثقل كاهل ميزانية الدولة، ناهيك عن تسديد أصل الدين، وتركتم بذلك مستقبل البلاد ومستقبل أجيالها القادمة مرهونًا بأيدي المؤسسات الدولية التي لا تقف سيطرتها على المجال الإقتصادي للبلدان المدينة فقط، بل تتعداه إلى السيطرة على القرار السياسي لهذه البلدان. هذا فضلًا عن مائتي مليار ريال ديون لأكثر من ثلاثة آلاف تاجرٍ ومقاولٍ على الحومة لا زالت تماطلهم في تسديدها.
لقد حطّمتم بتصرفاتكم تلك كل الأرقام القياسية في التبذير والإسراف من المال العام ففتم بذلك من قِبلكم وفتّم من بعدكم، فهنيئًا لكم على ذلك! وهذا غير مستغرب منكم، فأمثالكم لا يهمهم مستقبل بلادهم وشعوبهم بقدر ما تهمهم تلبية شهواتهم الذاتية ونزواتهم الآنية.
لقد غاب عنكم وأنتم تمارسون هذه التصرفات المصير المرعب الذي صار إليه شاه إيران وماركوس الفلبين وتشاوسيسكو رومانيا وغيرهم من مصاصي دماء شعوبهم غير المكترثين بمصير بلادهم. إن البلاد حقيقةً تمر بأخطر أزماتها الإقتصادية التي مرت بها حتى الآن، فقد كانت الأزمة الأولى سنة 84/ 1385 هـ 64/ 1965 م بسبب فوضوية إدارة الملك سعود التي انتهت بعزله، وكانت الثانية سنة 1406 هـ الموافق 1986 م بسبب الإنهيار المفاجيء في أسعار النفط. وإذا كانت الأزمة الأولى قد حُلت بعزل الملك سعود وحاشيته، والثانية قد تجاوزتها البلاد بلُجوئها إلى احتياطها المالي الضخم آنذاك، فإنّ الأزمة الحالية وفي ضوء القضاء التام على رصيد الدولة المالي من جهة، وفقد مصداقيتها المالية في الداخل والخارج من جهةٍ أخرى، تبدو غير مبشرة بالإنفراج في المستقبل المنظور.
لقد كان عجزك عن معالجة الأزمة في الوقت الذي كانت البلاد تملك احتياطيًا يُقدر بمائة وأربعين مليار دولار، وليس عليها أية ديون، أقوى دليل على فشلك في معالجتها بعد القضاء على ذلك الإحتياطي وغرق البلاد في بحر متلاطم من الديون الربوية، قال الشاعر:
فمن خانه التدبير والأمر طائعٌ ... فلن يحسن التدبير والأمر جامحُ