الصفحة 5 من 51

ولا تستغربن ذلك، كأنك لست المعني، أو كأن جيلك بدعة في الأجيال، أو قومك ليسو على طبائع من سلف من الأقوام، بل النفس هي النفس دائما، وشكل عنفوانها واحد: يرخى لها، فتستكثر، وتستطرد، فتستكبر، وتغفل، فتخرج إلى ظلم، حتى يغلب على القرية الظلم، وتكون متمردة على وصايا الأنبياء، فيأتيها الحصاد. وكان يأتيها في الأيام الغابرة في صورة حجارة من السماء، وهو يأتي اليوم عبر هزة اقتصادية، أو حرب، أو تفكك اجتماعي، فيكون الضيق من بعد دهر من الترف:

{ وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين * فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون * لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون * قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين }

أي( لا تركضوا وارجعوا إلى منازلكم وأموالكم لعلكم تسألون مالا وخراجا فلا تقتلون.

فنودي من السماء:

يا لثارات الأنبياء !

وأخذتهم السيوف .

فثم قالوا: يا ويلنا إنا كنا ظالمين . اعترفوا بذلك حين لا ينفعهم الاعتراف ) (1) .

نعوذ بالله من سهو الخراصين وتدسية الخائبين

ولذلك كان الفقه الإيماني يرتكز كله على التفريق بين نفسين، والتحذير من اللهو أو السدر في السهو، ومقاربة أسباب الفتنتين، في دعوة للعلو، خوف الهبوط، وذلك هو الذي جعل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يكثر التخويف، استنباطا من مثل قوله تعالى: { قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون } فيقول: (أي ساهون عن أمر الآخرة، فهم في غمرة عنها، أي فيما يغمر قلوبهم من حب الدنيا ومتاعها، ساهون عن أمر الآخرة وما خلقوا له . وهذا يشبه قوله: { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا } .. فالغمرة تكون من اتباع الهوى، والسهو من جنس الغفلة . ولهذا قال من قال: السهو: الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه. وهذا جماع الشر: الغفلة والشهوة.

(1) تفسير النسفي ، سورة الأنبياء 2/293

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت