فالغفلة عن الله والدار الآخرة: تسد باب الخير الذي هو الذكر واليقظة. والشهوة: تفتح باب الشر والسهو والخوف، فيبقى القلب مغمورا فيما يهواه ويخشاه، رائدا غير الله ، ساهيا عن ذكره، قد اشتغل بغير الله، قد انفرط أمره، قد ران حب الدنيا على قلبه) (1) .
وواصل صاحبه ابن القيم رحمه الله طريقته، فيقول في مثل قوله تعالى: { قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها } :
(المعنى: قد أفلح من كبرها وأعلاها بطاعة الله وأظهرها، وقد خسر من أخفاها وحقرها وصغرها بمعصية الله.
وأصل التدسية: الإخفاء، ومنه قوله تعالى: { يدسه في التراب } ، فالعاصي يدس نفسه في المعصية، ويحمي مكانها، ويتوارى من الخلق من سوء ما يأتي به، قد انقمع عند نفسه، وانقمع عند الله، وانقمع عند الخلق . فالطاعة والبر تكبر النفس وتعزها وتعليها حتى تصير أشرف شيء وأكبره وأزكاه وأعلاه، و مع ذلك فهي أذل شيء وأحقره وأصغره لله تعالى، وبهذا الذل حصل لها هذا العز والشرف والنمو) (2) .
وهذه منهما مواصلة لمذهب الحسن البصري وطريقته الآنفة، وكان قد وصل بينهما وبين الحسن جيل أوسط كثير عدده، جزيل قوله، وكأن ابن الجوزي قد انتصب لهم إماما أو فوضوه وكيلا يترجم خلجات صدورهم، عبر كشف تلبيسات إبليس، أو خلال اصطياده لخواطره، وكان رحمه الله يرى أن:
(من نازعته نفسه إلى لذة محرمة فشغله نظره إليها عن تأمل عواقبها وعقابها، وسمع هتاف العقل يناديه: ويحك لا تفعل، فإنك تقف عن الصعود، وتأخذ في الهبوط، ويقال لك: ابق بما اخترت. فإن شغله هواه فلم يلتفت إلى ما قيل له: لم يزل في نزول) (3) .
ثم رفع صوته ينادي: ( فالله الله في حريق الهوى إذا ثار، وانظر كيف تطفئه . فرب زلة أوقعت في بئر بوار، ورب أثر لم ينقلع، والفائت لا يستدرك على الحقيقة، فابعد عن أسباب الفتنة، فإن المقاربة محنة لا يكاد صاحبها يسلم ) (4)
(1) مجموع الفتاوى 10/597
(2) الجواب الكافي / 70
(3) صيد الخاطر 187/ 188