الصفحة 7 من 51

فلئن كان الإجماع في فقه الأموال: إجماع الصحابة، أو إجماع جيل من أجيال المسلمين إذا وقعت بهم نازلة غريبة، فإن هاهنا في فقه الأحوال يتراكم إجماع الصحابة والتابعين وجميع الأجيال، وذلك سر شجاعتنا وعنادنا في الإصرار على هذا المذهب التربوي . وكان عبدالوهاب عزام رحمه الله، قبلنا بقليل، قد عرفه أيضا، حتى منحته معرفته الإيمانية ثقة، بها طفق يسيطر على نفسه ذات الخيارين - بإذن الله - حتى لكأن مفتاح التحويل القلبي بيده أسلس من مفاتيح الأبواب، ليس يحتاج إلا إلى لمسة ليستدرك أو يقصد الخير بعد كل ضياع، وروى تجربته في ذلك:

تسفل النفس بالصغائر حينا وتضيق الحدود والآماد

فأحل القيود عنها فتسمو فإذا بي الآزال والآباد (1)

وإنما يفهم قوله بمعاني المجاز وأبعاده.

فهو - بتمكين الله تعالى - مسيطر على ساحة المكان والزمان، يتجول في أعماقهما، بما وفقه الله إليه من فك الأسر وحل القيود.

وفي هذا تقرير لحقيقة إيمانية مهمة: أن مذهبنا في الخوف من الغفلات حق، ولكن هناك حقيقة أقوى من ذلك وأظهر وأجلى: أن الله يؤيد المؤمن بالعزائم، فتكون إرادته أقوى من نداء الشهوات، ومن هنا نستطيع أن نضع قاعدة في التربية الإسلامية: إن المؤمن يليق له أن يثق بنفسه، وأن يحسن الظن بها، وأنه مؤهل للأعمال الجليلة التي ندبه الله لها، من خلافة في الأرض، وإصلاح بين الناس، وتقويم كل اعوجاج، وما الخوف إلا طبيعة رقابية تتولى الحفظ والتنقية من الشوائب، لأن المحيط فيه غبار، الشيطان يثيره، ولأن الطريق فيه عثار، ابليس يمد رجله بين أرجل الراكضين ...

(1) ديوان المثاني / 95

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت