وتذهب الفراسة التربوية فورا ومباشرة إلى أن تقرن الآية السالفة المزهدة بزهرة الحياة الدنيا بآية الاستقامة في سورة هود، في قوله تعالى: { فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير * ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون } .
( يعني: فاستقم أنت، وليستقم من تاب عن الكفر ورجع إلى الله مخلصا ) .
( وعن الحسن: جعل الله الدين بين لائين: ولا تطغوا، ولا تركنوا ) (1) .
فالطغيان: كل مجاوزة للحد تؤدي إلى الغفلة والإعراض عن الذكر . والركون إلى الظالم: يتناول صورا كثيرة، وليس هو أن نكون من جنده فحسب، بل ورجاء صورة خير منه أيضا، والثقة به، وطلب نصرته لنا، وتمني مثل ما عنده … كل ذلك كان سيؤه عند ربك مكروها.
وإن الواعظ ليدرك ثقل مثل هذه المعاني على النفوس التي تقادم عهدها في درب الإسلام، كأنها تتكبر عليها وتظن أن قد تجاوزتها، ولكن المجرب يدرك أن الشيطان يترصد، وله غزوات، وماذا على موعوظ إذا تقبل هذه الكلمات الممنوحة له مجانا فادكر ورأى اللاءات القرآنية ثانية وثالثة كما رآها أول مرة !!
وكان يقال: (النصيحة منيحة، تدرأ الفضيحة)
ويا لله كم من فضيحة غشيت مسلمين وثقوا بظالم وظنوا أن بيده مفتاح الفرج! ففريق منهم يثق بظالم فاسق من أبناء جلدتنا، وفريق يثق بظالم كافر يأتي من وراء دار الإسلام، وفاز وَقَّافٌ عند حدود الحلال والحرام واستعلى على جميع الظالمين وفاصلهم مفاصلة قلبية ولسانية وعملية .
حين تنصر الملائكة ورثة الأنبياء
ولذلك كان من موازين الحسن البصري رحمه الله: ترجيح مذهب التخويف في التربية، احتياطا وتعجيلا في الاستدراك، فيقول: ( لأن تصحب أقواما يخوفونك حتى تبلغ المأمن: خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى تبلغ المخاوف) (2) .
(1) تفسير النسفي 2/84
(2) نفح الطيب 7/90