أيها المسلمون: إن معرفةَ التوحيدِ والتمسكَ به ومعرفةَ الشركِ والحذرَ منه مصلحتُها راجعةٌ إلى العبدِ لا إلى غيره ، وهو المنتفعُ بالتوحيدِ كما أنه المتضررُ من الشرك قال تعلى: ( إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاَ فإن الله لغني حميد) [ إبراهيم:8] وقال تعالى ( إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ) .
عباد الله: إن من أتقن أنواعَ التوحيدِ الثلاثةَ وحفظها واستقام على معناها علم أن اللهَ هو الواحدُ حقا ، وأنه هو المستحقُ للعبادةِ من جميع خلقه ، ومن ضيعَ واحدًا منها اضاعَها جميعًا ، فهي متلازمةٌ لا إسلام إلا بها جميعًا ، فمن أنكر صفاتِ الله وأسماءهُ فلا دين له ، ومن أقر بتوحيدِ الربوبيةِ والأسماءِ والصفاتِ ، ولكن لم يرد بها الله وحده ، بل عبدَ معه سواه من المشائخِ أو القبورِ ، أو الملائكةِ أو الأنبياءِ ، فقد أشركَ باللهِ وكفرَ به ولا تنفعُه بقيةُ الأقسام ، حتى يقر بأن الله هو ربُّه الخالقُ المالكُ لجميع الأمورِ ، ويقرُّ بما كفر به المشركونَ ، ويؤمنُ بأن اللهَ سبحانه له الأسماءُ الحسنى والصفاتُ العلى .
أيها المسلمون: لقد ابتلي كثيرٌ من الناسِ بالجهلِ بالتوحيدِ ، اندثرت عندَهم معالمُ الحنفيةِ السمحةِ، وسرت فيهم شوائبُ الشركِ ، وتنازعتهُم الأهواءُ الفاسدةُ التي لوثت عقيدةَ التوحيدِ الخالصِ في قلوبهم وكدرت صفاءَ العقيدةِ المشرقَ في نفوسهم ، فصرفوا أنواعًا من العبادةِ لغير اللهِ ، وألقوا زمام أعنتِهم إلى الشيطان يقودُهم في مناسبةٍ وغير مناسبةٍ إلى أضرحةِ الموتى يطلبونَ المددَ من الأولياءَ والصالحينَ ، ويذبحونَ للقبورِ ، ويصدقونَ السحرةَ ، ويلهثونَ وراءَ المشعوذينَ والكهنةِ، مستصرخينَ بهم ، يرجونَ منهم كشفَ البلاء ، ورفعَ القضاءَ ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ) .