عباد الله: مع شرف الوضوء في الإسلام ومكانته ومع يسره وسهولته ، فإن الناس فيه طرفان ووسط ، طرف فرطوا في الوضوء ، لا يقيمون له وزنًا ، ولا لأحكامه قدرًا ، إما تهاونًا بشأنه وإما جهلًا بصفته الشرعية ، ونسي أولئك أن الأجر العظيم في الوضوء إنما رتب على إسباغه وتمامه وإحسانه قال عليه الصلاة والسلام: ( ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم يصلي ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة ) ، أخرجه مسلم ، وفي حديث أخر قال صلى الله عليه وسلم: (من أتم الوضوء كما أمره الله ، فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن ) ) أخرجه الإمام مسلم، أما الطرف الثاني من الناس فقد أفرطوا في الوضوء ، يتوضأ أحدهم للصلاة الواحدة عشرات المرات ، ويمكث في دورات المياه لإتمام وضوئه الساعات ، تفوتهُ الجمعُ والجماعات وهو معذب باستعمال الماء ، ووسوسة الشيطان ، ولمثل هؤلاء يقال دلت السنن الصحيحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يكثرون صب الماء في الوضوء، ومضى على هذا التابعين لهم بإحسان ؛ جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثًا ثم قال: ( هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم ) ، وقال الإمام ابن المبارك رحمه الله: لا آمن على من أزداد على الثلاث أن يأثم ، ويقول الحسن البصري رحمه الله: إن شيطانًا يضحك بالناس في الوضوء يقال له: الولهان، ومما يروى في هذا أن أحد المبتلين بالوسوسة رأى أبا الوفاء بن عقيل يتوضأ ، فتعجب من قلة استعماله الماء ، ثم قال له يا إمام: إني لأنغمس في النهر ثم أخرج منه وأشك: هل صح وضوئي أم لا ، فقال له ابن عقيل: لقد سقطت عن الصلاة ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( رفع القلم عن ثلاثة ... وذكر منهم .. المجنون حتى يفيق ) ) وأنت هو .
ألا فاتقوا الله عباد الله ، وتفقهوا في دينكم ، وأحسنوا الوضوء ، ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين .