وأما سُنَّة العُطاس الذى يُحبه اللَّه، وهو نِعمة، ويدلُّ على خِفة البدنِ، وخرُوج الأبخرة المحتَقِنَةِ، فإنما يكون إلى تمام الثلاث، وما زاد عليها يُدعى لصاحبه بالعافية.
وقوله في هذا الحديث: (( الرَّجُلُ مَزْكُومٌ ) )تنبيه على الدعاء له بالعافية، لأن الزكمة عِلَّة، وفيه اعتذار من ترك تشميته بعد الثلاث، وفيه تنبيهٌ له على هذه العِلَّة ليتداركها ولا يهملها، فيصعُبَ أمرُهَا، فكلامه - صلى الله عليه وسلم - كله حكمة ورحمة، وعلم وهدى.
وقد اختلف الناس في مسألتين: إحداهما: أن العاطِسَ إذا حَمدَ اللَّهَ، فسمعه بعضُ الحاضرين دون بعض، هل يُسَنُّ لمن لم يسمعه تشميتُه؟ فيه قولان، والأظهر: أنه يُشمته إذا تحقَّق أنه حَمِدَ اللَّه، وليس المقصودُ سماعَ المشمِّت للحمد، وإنما المقصود نفس حمده، فمتى تحقق ترتب عليه التشميتُ، كما لو كان المشمت أخرسَ، ورأى حركة شفتيه بالحمد. والنبى صلى الله عليه وسلم قال: (( فإن حَمِدَ اللَّه، فشمِّتوه ) )هذا هو الصواب.
الثانية: إذا ترك الحمد، فهل يُستحبُّ لمن حضره أن يُذكِّرَه الحمد؟ قال ابن العربى: لا يُذكِّره، قال: وهذا جهل من فاعله. وقال النووى: أخطأ مَن زعم ذلك، بل يُذكِّره، وهو مروى عن إبراهيم النخعى. قال: وهو من باب النصيحة، والأمر بالمعروف، والتعاون على البرِّ والتقوى، وظاهر السُّنَّة يقوى قول ابن العربى لأنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم لم يُشمِّتِ الذى عَطَسَ وَلَمْ يَحْمَدِ اللَّه، ولم يذكِّره، وهذا تعزير له، وحرمانٌ لبركة الدعاء لمَّا حرم نفسه بركة الحمد، فنسى اللَّه، فصرفَ قلوب المؤمنين وألسنتهم عن تشميته والدعاء له، ولو كان تذكيرُه سُنَّة، لكان النبى صلى الله عليه وسلم أولى بفعلها وتعليمِها، والإعانة عليها.