فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا يَجُوزُ لِلْمُعْطَى لَهُ أَخْذُهُ إذَا عَلِمَهُ حَرَامًا وَكَانَ بَاقِيًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَفُتَّهُ الْغَاصِبُ بِنَحْوِ طَبْخٍ إجْمَاعًا إلَّا عَلَى وَجْهِ رَدِّهِ لِمَالِكِهِ إنْ عَلِمَهُ وَالتَّصْدِيقُ بِهِ عَنْهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْهُ وَإِلَّا لَمْ يَحْرُمْ وَالْأَسْلَمُ عَدَمُ قَبُولِهِ إلَّا بِنِيَّةِ التَّصْدِيقِ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ , وَلَا فَرْقَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بَيْنَ عَطَايَا الْخُلَفَاءِ وَغَيْرِهِمْ , وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَهُوَ فِي غَيْرِ الْخُلَفَاءِ وَالْعُمَّالِ الْمُفَوَّضِ لَهُمْ فِي صَرْفِ الْأَمْوَالِ بِاجْتِهَادِهِمْ أَمَّا الْخُلَفَاءُ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ فَعَطَايَاهُمْ يَجُوزُ قَبُولُهَا عِنْدَ جَمِيعِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ قَالَ فِي النَّصِيحَةِ وَيَجِبُ الْبَحْثُ عَمَّا عُلِمَ غَالِبًا كَوْنُهُ حَرَامًا وَإِلَّا فَوَرَعٌ إنْ اسْتَنَدَ إلَى دَلِيلٍ وَحَرَامٌ إذَا لَمْ يَسْتَنِدْ ; لِأَنَّهُ إذَايَةٌ وَسُوءُ ظَنٍّ بِصَاحِبِهِ قَالَ شَارِحُهَا ابْنُ زِكْرِيٍّ قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَدَّمَ إلَيْك طَعَامًا أَوْ هَدِيَّةً أَوْ أَرَدْت أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْهُ أَوْ تَتَّهِبَ فَلَيْسَ عَلَيْك أَنْ تُفَتِّشَ عَنْهُ وَتَسْأَلَ وَتَقُولَ هَذَا مِمَّا لَا أَتَحَقَّقُ حِلَّهُ فَلَا آخُذُهُ بَلْ أُفَتِّشُ عَنْهُ وَلَيْسَ لَك أَنْ تَتْرُكَ الْبَحْثَ فَتَأْخُذُ كُلَّ مَا يُتَيَقَّنُ تَحْرِيمُهُ بَلْ السُّؤَالُ وَاجِبٌ مَرَّةً وَحَرَامٌ مَرَّةً وَمَنْدُوبٌ مَرَّةً وَمَكْرُوهٌ مَرَّةً فَلَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِهِ وَالْقَوْلُ الشَّافِي فِيهِ هُوَ أَنَّ مَظِنَّةَ السُّؤَالِ فِي مَوَاقِعِ الرِّيبَةِ وَمَثَارِهَا إمَّا أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ أَوْ يَتَعَلَّقُ بِصَاحِبِ الْمَالِ , ثُمَّ أَطَالَ الْقَوْلَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ وَتَفْصِيلِهِ عَلَى عَادَتِهِ وَلَخَصَّ ذَلِكَ فِي الْأَرْبَعِينَ فَقَالَ النَّاسُ فِي حَقِّك سِتَّةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا فِي كُلِّ مَنْ أُخِذَ مَالُهُ وَالْحَذَرُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ هُوَ مَحَطُّ الْوَرَعِ . الثَّانِي: أَنْ تَعْرِفَهُ بِالصَّلَاحِ فَكُلْ مِنْهُ , وَلَا تَتَوَرَّعْ فَالْوَرَعُ مِنْهُ وَسْوَسَةٌ فَإِنْ أَدَّى إلَى الْإِيذَاءِ وَالْإِيحَاشِ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ وَحَرَامٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِيذَاءِ وَسُوءِ الظَّنِّ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ . الثَّالِثُ: أَنْ تَعْرِفَهُ بِالظُّلْمِ وَالرِّبَا حَتَّى عَلِمْت أَنَّ كُلَّ مَالِهِ أَوْ أَكَثْرَهُ حَرَامٌ كَالسَّلَاطِينِ الظَّلَمَةِ وَغَيْرِهِمْ فَمَالُهُمْ حَرَامٌ . الرَّابِعُ: أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ أَكْثَرَ أَمْوَالِهِ حَلَالٌ , وَلَكِنْ لَا يَخْلُو عَنْ حَرَامٍ كَرَجُلٍ لَهُ تِجَارَةٌ وَمِيرَاثٌ , وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ فِي عَمَلِ السُّلْطَانِ فَلَكَ الْأَخْذُ بِالْأَغْلَبِ لَكِنْ تَرْكُهُ مِنْ الْوَرَعِ الْمُهِمِّ . الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا عِنْدَك لَكِنْ تَرَى عَلَيْهِ عَلَامَةَ الظُّلْمِ كَالْقَبَاءِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَهَيْئَاتِ الْأَتْرَاكِ وَالظَّلَمَةِ فَهَذِهِ عَلَامَةٌ ظَاهِرَةٌ تُوجِبُ الْحَذَرَ فَلَا تَأْكُلْ مِنْ مَالِهِ إلَّا بَعْدَ التَّفْتِيشِ . السَّادِسُ: أَنْ تَرَى عَلَيْهِ عَلَامَةَ الْفِسْقِ لَا عَلَامَةَ الظُّلْمِ كَطُولِ الشَّارِبِ وَانْقِسَامِ شَعْرِ الرَّأْسِ فَزَعًا وَرُؤْيَتِهِ يَشْتُمُ غَيْرَهُ أَوْ يَنْظُرُ إلَى امْرَأَةٍ فَإِنْ عَلِمْت لَهُ مَالًا مَوْرُوثًا أَوْ تِجَارَةً لَمْ يَحْرُمْ مَالُهُ بِذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ أَمْرُهُ مَجْهُولًا عِنْدَك فَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ عَلَامَةَ الْفِسْقِ أَضْعَفُ دَلَالَةً مِنْ عَلَامَةِ الظُّلْمِ , وَلَكِنْ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ الْإِسْلَامِ يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ دَلَالَةً أَظْهَرَ مِنْ دَلَالَةِ هَذِهِ الْعَلَامَةِ عَلَى التَّحْرِيمِ , ثُمَّ رَوَاهُ هَذَا كُلُّهُ يَجِبُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ الْمَرْءُ قَلْبَهُ فَإِذَا وَجَدَ فِيهِ حَزَازَةً فَلْيَجْتَنِبْ فَالْإِثْمُ حَزَازَةُ الْقُلُوبِ وَحِكَاكُ الصُّدُورِ , وَلَكِنْ هَاهُنَا دَقِيقَةٌ يَغْفُلُ عَنْهَا أَهْلُ الْوَرَعِ , وَهِيَ أَنَّهُ حَيْثُ التَّرْكُ مِنْ الْوَرَعِ أَوْ مِنْ حَزَازَةٍ فِي النَّفْسِ وَالسُّؤَالُ يُؤْذِي فَالْمَجْهُولُ إذَا قَدَّمَ لَك طَعَامًا فَإِذَا سَأَلْته مِنْ أَيْنَ اسْتَوْحَشَ وَتَأَذَّى وَالْإِيذَاءُ حَرَامٌ وَسُوءُ الظَّنِّ حَرَامٌ , وَإِنْ سَأَلْت غَيْرَهُ بِحَيْثُ يَدْرِي زَادَ الْإِيذَاءُ , وَإِنْ سَأَلْت بِحَيْثُ لَا يَدْرِي فَقَدْ تَجَسَّسَتْ وَأَسَأْت الظَّنَّ وَبَعْضُ الظَّنِّ إثْمٌ وَشُبْهَةٌ بِالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ وَتَرْكُ الْوَرَعِ لَيْسَ بِحَرَامٍ فَلَيْسَ لَك إلَّا التَّلَطُّفُ بِالتَّرْكِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا بِالْإِيذَاءِ فَعَلَيْك أَنْ تَأْكُلَ فَإِنَّ تَطْيِيبَ قَلْبِ الْمُسْلِمِ وَصِيَانَتَهُ عَنْ الْإِيذَاءِ أَهَمُّ مِنْ الْوَرَعِ فَإِنْ قُلْت لَوْ وَقَعَ طَعَامٌ حَرَامٌ فِي سُوقٍ فَهَلْ يُشْتَرَى مِنْ ذَلِكَ السُّوقِ ؟ فَأَقُولُ إنْ تَحَقَّقَتْ أَنَّ الْحَرَامَ هُوَ الْأَكْثَرُ فَلَا تَشْتَرِ إلَّا بَعْدَ التَّفْتِيشِ , وَإِنْ