عَلِمْت أَنَّ الْحَرَامَ كَثِيرٌ وَلَيْسَ بِالْأَكْثَرِ فَلَكَ الشِّرَاءُ وَالتَّفْتِيشُ الْوَرَعُ انْتَهَى . , ثُمَّ قَالَ فِي النُّصْحِيَّةِ وَفِي الْأَخْذِ مِنْ الْوُلَاةِ لِلشُّيُوخِ طُرُقٌ قَالَ شَارِحُهَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ رضي الله تعالى عنه فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ فَمَا تَقُولُ فِي جَوَائِزِ السَّلَاطِينِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ قَوْمٌ كُلِّ مَا لَا يُتَيَقَّنُ أَنَّهُ حَرَامٌ فَلَهُ أَخْذُهُ وَقَالَ آخَرُونَ لَا يَحِلُّ أَنْ يَأْخُذَ مَا لَا يُتَيَقَّنُ أَنَّهُ حَلَالٌ ; لِأَنَّ الْأَغْلَبَ فِي هَذَا الْعَصْرِ الْحَرَامُ وَالْحَلَالُ فِي أَيْدِيهِمْ مَعْدُومٌ عَزِيزٌ قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ فِي هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَكِلَاهُمَا إسْرَافٌ , ثُمَّ قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ . وَقَالَ قَوْمٌ صِلَاتُ السَّلَاطِينِ تَحِلُّ لِلْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ إذَا لَمْ يُتَحَقَّقْ أَنَّهَا حَرَامٌ وَإِنَّمَا التَّبَعَةُ عَلَى الْمُعْطِي وَقَالَ آخَرُونَ لَا يَحِلُّ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْءٌ لَا لِفَقِيرٍ , وَلَا لِغَنِيٍّ إذْ هُمْ مَوْسُومُونَ بِالظُّلْمِ وَالْغَالِبُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ السُّحْتُ وَالْحَرَامُ وَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ وَقَالَ آخَرُونَ مَا لَا يُتَيَقَّنُ أَنَّهُ حَرَامٌ فَهُوَ حَلَالٌ لِلْفَقِيرِ دُونَ الْغَنِيِّ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْفَقِيرُ أَنَّ ذَلِكَ عَيْنُ الْمَغْصُوبِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ إلَّا لِيَرُدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ انْتَهَى . وَاخْتَارَ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَغْلَبِ فَإِنْ غَلَبَ الْحَرَامُ حَرُمَ , وَإِنْ غَلَبَ الْحَلَالُ وَفِيهِ حَرَامٌ مُتَيَقَّنٌ فَمَوْضِعُ تَوَقُّفٍ ( وَفِي الْعُتْبِيَّةِ ) سُئِلَ سَحْنُونٌ فَقِيلَ لَهُ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ يَقْبَلُ صِلَاتِ السُّلْطَانِ وَيَأْكُلُ طَعَامَهُ وَسَلَاطِينُ هَذَا الزَّمَانِ مَنْ قَدْ عَلِمْت هَلْ تَسْقُطُ شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ ؟ فَإِنْ قُلْت أَنَّهُ يُجَرَّحُ بِذَلِكَ فَقَدْ قَبِلَ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ مَنْ قَدْ عَلِمْت مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَالْعِلْمِ قَدْ أَخَذَ ابْنُ عُمَرَ جَوَائِزَ الْحَجَّاجِ وَأَخَذَ ابْنُ شِهَابٍ جَوَائِزَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ وَأَخَذَ مَالِكٌ جَوَائِزَ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ . فَإِنْ قُلْت إنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ عَلَى وَجْهِ الْخَوْفِ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ بَايَنَ السُّلْطَانَ وَتَرَكَ الْأَخْذَ مِنْهُ فَلَمْ يَرَ إلَّا خَيْرًا وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ أَمَرَ لِمَالِكٍ بِثَلَاثِ صُرَرٍ دَنَانِيرَ فَاتَّبَعَهُ الرَّسُولُ بِهَا فَسَقَطَتْ صُرَّةٌ فِي الزِّحَامِ فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُولُ بِالصُّرَّتَيْنِ سَأَلَهُ عَنْ الثَّالِثَةِ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ أَخَذَ غَيْرَهُمَا فَأَلْزَمَهُ مَالِكٌ بِالثَّالِثَةِ وَأَلَحَّ عَلَيْهِ فِيهَا حَتَّى أَتَى بِهَا بَعْضُ مَنْ وَجَدَهَا فَدَفَعَهَا إلَيْهِ فَمَالِكٌ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا إلَّا مُتَطَوِّعًا فَإِنْ رَأَيْت طَرْحَ شَهَادَةِ مَنْ أَخَذَ مِنْ السُّلْطَانِ فَجَمِيعُ الْقُضَاةِ مِنْهُ يُرْزَقُونَ وَإِيَّاهُ يَأْكُلُونَ فَقَالَ سَحْنُونٌ أَمَّا قَوْلُك هَلْ يَكُونُ مِنْ قَبِلَ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ سَاقِطُ الشَّهَادَةِ فَمَنْ قَبِلَ ذَلِكَ مِنْ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ فَهُوَ سَاقِطُ الشَّهَادَةِ عِنْدَنَا , وَأَمَّا الْأَكْلُ عِنْدَهُمْ فَمَنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ الزَّلَّةُ وَالْفَلْتَةُ فَغَيْرُ مَرْدُودِ الشَّهَادَةِ , وَأَمَّا مَرْدُودُ الْأَكْلِ عِنْدَهُمْ فَسَاقِطُ الشَّهَادَةِ , وَأَمَّا مَا احْتَجَجْت بِهِ مِنْ قَبُولِ ابْنِ شِهَابٍ وَمَالِكٍ لِجَوَائِز السُّلْطَانِ فَقَدْ قِسْت بِغَيْرِ قِيَاسٍ وَاحْتَجَجْت بِمَا لَا يُحْتَجُّ بِهِ ; لِأَنَّ قَبُولَ مَالِكٍ وَابْنِ شِهَابٍ إنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَجَوَائِزُ الْخُلَفَاءِ جَائِزَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا عَلَى مَا شَرَطَ مَالِكٌ لِإِجْمَاعِ الْخَلْقِ عَلَى قَبُولِ الْعَطَاءِ مِنْ الْخُلَفَاءِ مَنْ يُرْضَى مِنْهُمْ وَمَنْ لَا يُرْضَى وَجُلِّ مَا يَدْخُلُ بُيُوتَ الْأَمْوَالِ بِالْأَمْرِ الْمُسْتَقِيمِ وَاَلَّذِي يَظْلِمُونَ مِنْهُ قَلِيلٌ فِي كَثِيرٍ وَلَمْ يُعْلَمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْكَرَ أَخْذَ الْعَطَاءِ مِنْ زَمَنِ مُعَاوِيَةَ إلَى الْيَوْمِ , وَأَمَّا قَوْلُك فِي الْقُضَاةِ فَإِنَّهُمْ أُجَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ , وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَقَدْ سَمِعْت عَلِيَّ بْنِ زِيَادٍ يُنْكِرُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَيَدْفَعُهُ انْتَهَى كَلَامُ الْعُتْبِيَّةِ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ سَحْنُونَ قَبُولُ الْجَوَائِزِ مِنْ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ جُرْحَةٌ تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُ بَيِّنٌ إذْ قَبَضُوا ذَلِكَ مِنْ الْعُمَّالِ عَلَى الْجِبَايَةِ ; لِأَنَّهُمْ إنَّمَا جُعِلَ لَهُمْ قَبْضُ الْأَمْوَالِ وَتَحْصِيلُهَا دُونَ وَضْعِهَا فِي وُجُوهِهَا وَمَوَاضِعِهَا بِالِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ , وَأَمَّا الْأُمَرَاءُ الَّذِينَ فَوَّضَ لَهُمْ الْخَلِيفَةُ أَوْ خَلِيفَةُ الْخَلِيفَةِ قَبْضَ الْأَمْوَالِ وَجِبَايَتِهَا وَتَصْرِيفَهَا