ترك خيرا الوصية وامتن به على عباده وفي حديث كاد الفقر أن يكون كفرا أما الدنيوية فظاهرة وأما الدينية فمن أمهات العبادات ما لا يتوصل إليها إلا به كالحج والعمرة وبه يتقوى على العبادات كالمطعم والملبس والمسكن والمنكح وضرورات المعيشة إذ لا يتفرغ للدين إلا من كفي ذلك وما لا يتوصل للعبادة إلا به عبادة بخلاف ما زاد على الحاجة فإنه من حظوظ الدنيا
ومن فوائده الدينية ما يصرفه من صدقة وفضائلها مشهورة وقد ألفت فيها كتابا حافلا أو هدايا وضيافات ونحوهما للأغنياء وفيهما فضائل مع أنه يكتسب بهما الأصدقاء وصفة السخاء أو وقاية عرض من نحو شاعر أو مارق وفي خبر إن ما وقي به العرض صدقة أو أجرة من يقوم بأشغالك إذ لو باشرتها فاتت مصالحك الأخروية إذ عليك من العلم والعمل والذكر والفكر ما لا يتصور أن يقوم به غيرك فتضييعك الوقت في غيره خسران أو في خير عام كبناء مساجد أو ربط أو قناطر أو سقايات بالطرق أو دور للمرضى أو غير ذلك من الأوقاف المرصدة للخيرات وهذه من الخيرات المؤبدة الدائمة بعد الموت المستجلبة بركة أدعية الصالحين إلى أوقات متمادية وناهيك بذلك خيرا
فهذه جملة فوائد المال في الدين سوى ما فيه من الحظوظ العاجلة كالعز وكثرة الخدم والأصدقاء وتعظيم الناس له وغير ذلك مما يقتضيه المال من الحظوظ الدنيوية
وكذلك للمال آفات كثيرة دينية ودنيوية فالدينية أنه يجر إلى المعاصي للتمكن به منها إذ من العصمة أن لا تجد ومتى استشعرت النفس القدرة على معصية انبعثت داعيتها إليها فلا تستقر حتى ترتكبها ويجر أيضا ابتداء إلى التنعم بالمباحات حتى يصير إلفا له لا يقدر على تركه حتى لو لم يتوصل إليه إلا بسعي أو كسب حرام لاقترفه تحصيلا لمألوفاته إذ من كثر ماله كثر احتياجه إلى معاشرة الناس ومخالطتهم ومن لازم ذلك أنه ينافقهم ويعصي الله في طلب رضاهم أو سخطهم فتثور العداوة والحقد والحسد والرياء والكبر والكذب والغيبة والنميمة وغير ذلك من المعاصي والأخلاق والأحوال السيئة الموجبة للمقت واللعن ويجر أيضا إلى ما لا ينفك عنه أحد من ذوي الأموال وهو الاشتغال بإصلاح ماله عن ذكر الله ومرضاته وكل ما شغل عن ذكر الله فهو شؤم وخسران مبين وهذا هو الداء العضال فإن أصل العبادات وسرها ذكر