فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 990

بأداء ذينك الواجبين يبرأ من البخل ولا يثبت له الجود ما لم يبذل زيادة عليهما لنيل الفضيلة لا لطمع في ثناء أو خدمة أو مكافأة ويكون وجوده بحسب ما اتسعت له نفسه من قليل البذل وكثيره

ومنها يتعين على كل من أراد البراءة لدينه وعرضه التنصل من داء البخل حذرا مما فيه من المهلكات ولا يتم ذلك إلا بمعرفة سببه وعلاجه فسببه حب المال إما لحب الشهوات التي لا وصول إليها إلا به مع طول الأمل إذ من علم أنه يموت بعد يوم لا يبقى عنده من أثر البخل شيء ألبتة وإما لحب ذات المال ولذلك ترى من تيقن أن معه من الأموال ما يزيد على كفايته لو عاش العمر الطبيعي وأنفق نفقة الملوك ولا وارث له ومع ذلك هو من البخل ومنع الزكاة وغيرها بمكان فيكنزه تحت الأرض عالما بأنه يموت بل ربما عند موته يبتلعه ومرض مثل هذا عسر علاجه بل محال بخلاف الأول فحب الشهوات يعالج بالقناعة باليسير وبالصبر ويعالج طول الأمل بكثرة ذكر الموت والنظر في موت الأقران وطول تعبهم في جمع المال وضياعه بعدهم في أقبح المعاصي وأقرب زمن

ويعالج الالتفات إلى الولد باستحضار الخير السابق إن شر الناس من ترك ورثته في خير وقدم على الله بشر وبأن الله خلق للولد رزقا لا يزيد ولا ينقص وكم ممن لم يخلف له أبوه فلسا صار غنيا ومن خلف له القناطير المقنطرة صار فقيرا في أسرع وقت وبأن يتأمل في أحوال البخلاء وأنهم على مدرجة المقت والبعد من كل خير ولذلك تجد النفوس تنفر عنهم بالطبع وتستقبحهم حتى إن بعض البخلاء يستقبح كثير البخل من غيره ويستثقل كل بخيل من أصحابه ويغفل عن أنه مستثقل ومستقذر في قلوب الناس كما أن البخلاء عنده كذلك ويتأمل في المنافع التي يقصد لها المال فلا يحفظ منه إلا ما يحتاجه وما زاد ينبغي له أن يدخر ثوابه وبره عند الله تعالى بإخراجه في مرضاته

ومن أمعن تأمله في هذه الأدوية انصقل فكره وانشرح قلبه فيجانب البخل بسائر أنواعه أو بعضها بحسب كمال استعداده ونقصه وينبغي له حينئذ أن يجيب أول خاطر الإنفاق فإن الشيطان ربما زين للنفس الرجوع عنه ولذلك خطر لبعض الأكابر قيل أبو بكر كرم الله وجهه التصدق بثوبه وهو في الخلاء فخرج فورا وتصدق به ثم رجع فلما خرج سئل فقال خشيت أن الشيطان يثني عنان عزمي ولا تزول صفة البخل إلا بالبذل تكلفا كما لا يزول العشق إلا بالسفر عن محل المعشوق

ومنها للمال فوائد دينية ودنيوية لأنه تعالى سماه خيرا في قوله عز وجل إن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت