فهرس الكتاب

الصفحة 334 من 990

ومنها سبق في الأحاديث ذم البخل والإشارة إلى آفاته وغوائله وبيان ذلك أن البخل شرعا هو منع الزكاة وألحق بها كل واجب فمن منع ذلك كان بخيلا وعوقب بما مر في الأحاديث

قال الغزالي وحده قوم بأنه منع الواجب فمن أدى ما يجب عليه غير بخيل وهذا غير كاف إذ من يرد اللحم أو الخبز إلى قصاب أو خباز لنقص حبة يعد بخيلا اتفاقا وكذا من يضايق عياله في لقمة أو تمرة أكلوها من ماله بعد أن سلمهم ما فرض لهم القاضي ومن بين يديه رغيف فحضر من يظن أنه يشاركه فيه فأخفاه عنه عد بخيلا

وقال آخرون البخيل الذي يستصعب كل العطية وهو قاصر فإنه إن أريد أنه يستصعب كل عطية ورد عليه أن كثيرا من البخلاء لا يستصعب نحو الحبة أو الكثير فقط لم يقدح ذلك في البخل

وكذلك اختلفوا في الجود ما هو فقيل هو عطاء بلا من وإسعاف على غير روية وقيل عطاء من غير مسألة وقيل السرور بالسائل والفرح بعطاء ما أمكن وقيل عطاء على روية أنه وماله لله وهذا كله غير محيط بحقيقة البخل والجود

والحق أن الإمساك حيث وجب البذل بخل والبذل حيث وجب الإمساك تبذير وبينهما وسط هو المحمود وهو الذي ينبغي أن يعبر عنه بالسخاء والجود فإنه صلى الله عليه وسلم لم يؤمر إلا بالسخاء وقد قال الله تعالى له ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما أي بالغل محسورا أي بالبسط

وقال تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا فالجود وسط بين الإسراف والإقتار وبين القبض والبسط وكماله أن لا يكون ناظرا بقلبه إلى ما أعطاه بوجه بل ينبغي أن لا يعلق قلبه من المال إلا بصرفه فيما يحمد صرفه ثم الواجب بذله فيه إما شرعا وإما مروءة وعادة فالسخي هو الذي لا يمنعها وإلا فهو البخيل لكن مانع واجب الشرع كالزكاة ونفقة العيال أبخل وأقبح من مانع واجب المروءة كالمضايقة والاستقصاء في المحقرات واستقباح هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص فيستقبح من ذوي المال ومع الجار والأهل والصديق ما لا يستقبح مع أضدادهم

وللبخل درجة ثالثة وهي ما لو كثر ماله وهو قائم بواجبي الشرع والمروءة ثم أمسك عن الإنفاق منه في وجوه القربات ليكون عدة له على النوائب وإيثارا لهذا الغرض الفاني على ما أعد الله له لو أنفق من الثواب الباقي والدرجات العلية والمراتب المرضية فهذا بخيل أي بخيل لكن عند الأكياس دون عامة الخلق لأنهم يرون إمساكه للنوائب مهما على أنهم ربما استقبحوا منه حرمانه لفقير بجواره وإن كان يؤدي الزكاة ويختلف استقباح ذلك باختلاف مقدار ماله وشدة حاجة الفقير وصلاحه ثم إنه هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت