ومنها سبق في الأحاديث ذم البخل والإشارة إلى آفاته وغوائله وبيان ذلك أن البخل شرعا هو منع الزكاة وألحق بها كل واجب فمن منع ذلك كان بخيلا وعوقب بما مر في الأحاديث
قال الغزالي وحده قوم بأنه منع الواجب فمن أدى ما يجب عليه غير بخيل وهذا غير كاف إذ من يرد اللحم أو الخبز إلى قصاب أو خباز لنقص حبة يعد بخيلا اتفاقا وكذا من يضايق عياله في لقمة أو تمرة أكلوها من ماله بعد أن سلمهم ما فرض لهم القاضي ومن بين يديه رغيف فحضر من يظن أنه يشاركه فيه فأخفاه عنه عد بخيلا
وقال آخرون البخيل الذي يستصعب كل العطية وهو قاصر فإنه إن أريد أنه يستصعب كل عطية ورد عليه أن كثيرا من البخلاء لا يستصعب نحو الحبة أو الكثير فقط لم يقدح ذلك في البخل
وكذلك اختلفوا في الجود ما هو فقيل هو عطاء بلا من وإسعاف على غير روية وقيل عطاء من غير مسألة وقيل السرور بالسائل والفرح بعطاء ما أمكن وقيل عطاء على روية أنه وماله لله وهذا كله غير محيط بحقيقة البخل والجود
والحق أن الإمساك حيث وجب البذل بخل والبذل حيث وجب الإمساك تبذير وبينهما وسط هو المحمود وهو الذي ينبغي أن يعبر عنه بالسخاء والجود فإنه صلى الله عليه وسلم لم يؤمر إلا بالسخاء وقد قال الله تعالى له ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما أي بالغل محسورا أي بالبسط
وقال تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا فالجود وسط بين الإسراف والإقتار وبين القبض والبسط وكماله أن لا يكون ناظرا بقلبه إلى ما أعطاه بوجه بل ينبغي أن لا يعلق قلبه من المال إلا بصرفه فيما يحمد صرفه ثم الواجب بذله فيه إما شرعا وإما مروءة وعادة فالسخي هو الذي لا يمنعها وإلا فهو البخيل لكن مانع واجب الشرع كالزكاة ونفقة العيال أبخل وأقبح من مانع واجب المروءة كالمضايقة والاستقصاء في المحقرات واستقباح هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص فيستقبح من ذوي المال ومع الجار والأهل والصديق ما لا يستقبح مع أضدادهم
وللبخل درجة ثالثة وهي ما لو كثر ماله وهو قائم بواجبي الشرع والمروءة ثم أمسك عن الإنفاق منه في وجوه القربات ليكون عدة له على النوائب وإيثارا لهذا الغرض الفاني على ما أعد الله له لو أنفق من الثواب الباقي والدرجات العلية والمراتب المرضية فهذا بخيل أي بخيل لكن عند الأكياس دون عامة الخلق لأنهم يرون إمساكه للنوائب مهما على أنهم ربما استقبحوا منه حرمانه لفقير بجواره وإن كان يؤدي الزكاة ويختلف استقباح ذلك باختلاف مقدار ماله وشدة حاجة الفقير وصلاحه ثم إنه هو