فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 990

فإن قيل لم أضاف الله تعالى الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة وكلاهما فعل العبد عندكم

قلنا الحسنة وإن كانت فعل العبد فإنما وصل إليها بتسهيله وألطافه فصحت الإضافة إليه وأما السيئة فهي غير مضافة إليه تعالى بأنه فعلها ولا أرادها ولا أمر بها ولا رغب فيها فلا جرم انقطعت هذه النسبة إلى الله تعالى من جميع الوجوه

انتهى كلام الجبائي المنبئ عن قصور فهمه وفساد تصوره وقلة علمه إذ ليس المراد بالسيئة والحسنة أولا وثانيا طاعة ولا معصية بل النعم والمحن وهما ليسا من فعلهم ودليل ذلك التعبير بأصابك إذ لا يقال في الطاعة المعصية أصابني بل أصبته بخلاف النعم والمحن فإنها التي يقال فيها أصابتني والسياق صريح في ذلك إذ سبب نزول الآية أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة قال المنافقون اليهود ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم الرجل وأصحابه فكانوا ينسبون النعم إلى الله والمحن إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ذلك مخبرا عنهم بمقالتهم الفاسدة ثم ردها بقوله قل كل من عند الله مبينا لمصدرها الأصلي ثم بين السبب فخاطبه صلى الله عليه وسلم والمراد غيره بقوله تعالى ما أصابك من حسنة أي نعمة كخصب ونصر فمن الله أي من محض فضله إذ لا يستحق أحد عليه تعالى شيئا وما أصابك من سيئة أي محنة كجدب وهزيمة فمن نفسك أي من أجل عصيانها فهي من الله لكن بسبب ذنب النفس عقوبة لها كما قال الله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويدل عليه رواية مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك

وقد قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم على نبينا وعليه وسلم وإذا مرضت فهو يشفين فأضاف المرض لنفسه والشفاء إلى الله تعالى ولم يقدح ذلك في كونه تعالى خالقا للشفاء والمرض وإنما فصل بينهما رعاية للأدب لأنه تعالى إنما يضاف إليه على الخصوص الشريف دون الخسيس فيقال يا خالق الخلق ولا يقال يا خالق القردة والخنازير ويقال يا مدبر السموات والأرض ولا يقال يا مدبر القمل والخنافس فكذا هنا

وإذا تأملت هذا الذي قررناه وجدت نظم الآية عليه على غاية من السبك والالتئام والرصانة والبلاغة اللائقة بالقرآن

وأما على ما زعموه فيختل النظم ويتغير الأسلوب لغير موجب ولا داع إلا بتكليف تام وجلالة القرآن تأبى ذلك على أن التعبير بالإصابة الموافق للاستعمال اللغوي صريح فيما قلناه وعلى التنزل وأن المراد بالسيئة والحسنة ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت