فإن قيل لم أضاف الله تعالى الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة وكلاهما فعل العبد عندكم
قلنا الحسنة وإن كانت فعل العبد فإنما وصل إليها بتسهيله وألطافه فصحت الإضافة إليه وأما السيئة فهي غير مضافة إليه تعالى بأنه فعلها ولا أرادها ولا أمر بها ولا رغب فيها فلا جرم انقطعت هذه النسبة إلى الله تعالى من جميع الوجوه
انتهى كلام الجبائي المنبئ عن قصور فهمه وفساد تصوره وقلة علمه إذ ليس المراد بالسيئة والحسنة أولا وثانيا طاعة ولا معصية بل النعم والمحن وهما ليسا من فعلهم ودليل ذلك التعبير بأصابك إذ لا يقال في الطاعة المعصية أصابني بل أصبته بخلاف النعم والمحن فإنها التي يقال فيها أصابتني والسياق صريح في ذلك إذ سبب نزول الآية أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة قال المنافقون اليهود ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم الرجل وأصحابه فكانوا ينسبون النعم إلى الله والمحن إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ذلك مخبرا عنهم بمقالتهم الفاسدة ثم ردها بقوله قل كل من عند الله مبينا لمصدرها الأصلي ثم بين السبب فخاطبه صلى الله عليه وسلم والمراد غيره بقوله تعالى ما أصابك من حسنة أي نعمة كخصب ونصر فمن الله أي من محض فضله إذ لا يستحق أحد عليه تعالى شيئا وما أصابك من سيئة أي محنة كجدب وهزيمة فمن نفسك أي من أجل عصيانها فهي من الله لكن بسبب ذنب النفس عقوبة لها كما قال الله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويدل عليه رواية مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك
وقد قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم على نبينا وعليه وسلم وإذا مرضت فهو يشفين فأضاف المرض لنفسه والشفاء إلى الله تعالى ولم يقدح ذلك في كونه تعالى خالقا للشفاء والمرض وإنما فصل بينهما رعاية للأدب لأنه تعالى إنما يضاف إليه على الخصوص الشريف دون الخسيس فيقال يا خالق الخلق ولا يقال يا خالق القردة والخنازير ويقال يا مدبر السموات والأرض ولا يقال يا مدبر القمل والخنافس فكذا هنا
وإذا تأملت هذا الذي قررناه وجدت نظم الآية عليه على غاية من السبك والالتئام والرصانة والبلاغة اللائقة بالقرآن
وأما على ما زعموه فيختل النظم ويتغير الأسلوب لغير موجب ولا داع إلا بتكليف تام وجلالة القرآن تأبى ذلك على أن التعبير بالإصابة الموافق للاستعمال اللغوي صريح فيما قلناه وعلى التنزل وأن المراد بالسيئة والحسنة ما