قالوه فلا دلالة لهم في ذلك أيضا بل الآية دالة عليهم لدلالتها على أن الإيمان حصل بخلق الله تعالى لأنه حسنة إذ هي الغبطة الخالية عن جميع جهات القبح وهو كذلك فوجب أن تكون حسنة ومن ثم اتفقوا على أن المراد من قوله تعالى ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله كلمة الشهادة وبها فسر الإحسان في قوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإذا ثبت أن الإيمان حسنة فكل حسنة من الله بنص الآية حتى على ما زعموه وحينئذ فيجب القطع بأن الإيمان من الله سبحانه وتعالى كما دلت عليه هذه الآية وهم لا يقولون به
لا يقال المراد من قوله فمن الله أنه قدره عليه وهداه لمعرفة حسنه وقبح ضده الذي هو الكفر
لأنا نقول جميع الشرائط مشتركة بالنسبة إلى الإيمان والكفر عندكم فالعبد باختيار نفسه أوجده ولا مدخل فيه لقدرة الله وإعانته على زعمكم فهو منقطع عندكم عن الله من كل الوجوه وهذا مناقض لقوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله فبان بطلان ما ذهبتم إليه من الآية وأنه لا ينفعكم وإذا ثبت بها أن الإيمان من الله تعالى فكذلك الكفر إذ كل من قال الإيمان من الله قال الكفر من الله فالقول بأن أحدهما من الله دون الآخر مخالف لإجماع الأمة
وأيضا فالعبد لو قدر على إيجاد الكفر فالقدرة الصالحة لإيجاد الكفر إما أن تصلح لإيجاد الإيمان أو لا فإن صلحت لإيجاده عاد القول بأن إيمان العبد منه وقد علم بطلانه من الآية كما تقرر وإن لم تصلح لإيجاده لزم أن القادر على الشيء غير قادر على ضده وذلك عندهم محال فثبت أنه لما لم يكن الإيمان منه وجب أن لا يكون الكفر منه
وأيضا إذا لم يوجد العبد الإيمان فأولى أن لا يوجد الكفر لأن المستقل بإيجاد الشيء هو الذي يمكنه تحصيل مراد وليس في الدنيا عاقل قط يريد أن يكون الحاصل في قلبه هو الجهل والضلال فإذا كان العبد موجدا لأفعال نفسه وهو لا يقصد إلا تحصيل العلم الحق المطابق وجب أن لا يتحصل في قلبه إلا الحق وإذا كان الإيمان الذي هو مقصوده ومطلوبه ومراده لم يقع بإيجاده فبأن يكون الجهل الذي لم يرده وما قصد تحصيله وهو في غاية النفرة عنه غير واقع بإيجاده أولى
وأما ما شنع به الجبائي على من قرأ أفمن نفسك بالاستفهام فهو من جملة افترائه كشيعته
إذ أهل السنة لم يعولوا على هذه القراءة ولا جعلوها حجة لهم وإنما الحق في ذلك أنه إن صح أنه قرأ بها أحد من الصحابة والتابعين وجب قبولها وتكون حينئذ دليلا عليهم لأن القراءة الشاذة إذا صح سندها كالخبر الصحيح في الحجية على الأصح