أجهل الجاهلين لأنه جهل مقدار نفسه وربه وخطر الخاتمة وعكس الموضوع إذ من شأن العلم أن يوجب مزيد الخوف والتواضع لعظم حجة الله عليه بالعلم وتقصيره في شكر نعمته لكن سبب ذلك أن علمه إما يرجع إلى الدنيا أو لأنه لم يخلص النية فيه فخاض فيه على غير وجهه فأنتج له تلك القبائح وكذلك العلماء الذين ظهرت عليهم سيما الصالحين يسرع إليهم الكبر لكن الناس يترددون إليهم بقضاء مآربهم والمبالغة في إكرامهم فيرون حينئذ أنهم أرفع وأحق بأن يكون الناس دونهم لعدم وصولهم إلى صور أعمالهم وما دروا أن ذلك ربما يكون سببا لسلبهم
كما وقع أن خليعا من بني إسرائيل جلس إلى عابد لينتفع به فأنف من مجالسته وطرده فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أنه غفر للخليع وأحبط عمل العابد
فالجاهل العامي إذا تواضع وذل هيبة لله وخوفا منه فقد أطاع بقلبه فهو أطوع من العالم المتكبر والعابد المعجب
وقد ينتهي الحمق والغباوة ببعض العباد إلى أنه إذا أوذي يتوعد مؤذيه ويقول سترون ما يحل به وإذا نكب مؤذيه يعد ذلك من كراماته لعظم قدر نفسه عنده واستيلاء الجهل عليه لجمعه بين العجب والكبر والاغترار بالله تعالى
وقد قتل جماعة الأنبياء وماتوا من غير أن يعاجلوا بعقاب في الدنيا فما مرتبة هذا الجاهل وإذا اتضح لك كبر هذين النوعين اللذين هما في الظاهر عليهما معول الدين والدنيا اتضح لك كبر البقية من ذوي الأموال والجاه وغيرهم فالمتكبر بالنسب قد يرى من ليس كنسبه مثل عبده وكذا بالجمال وأكثر ما يجري بين النساء ونحوهن وكذا بالمال كما هو مشاهد بين أرباب الدنيا من المناصب والمتاجر وغيرها وكذا بالأتباع والجند وأكثر ما يجري بين الملوك ومما يهيج الكبر ويسعر ناره العجب والحقد والحسد والرياء إذ التكبر خلق باطني لأنه استعظام النفس ورؤية قدرها فوق قدر الغير وموجبه الحقيقي هو العجب وحده كما يعلم مما يأتي في معناه من أعجب بشيء من علمه أو عمله أو غيرهما مما مر استعظم نفسه وتكبر وتمرد وتجبر
وأما غير العجب مما ذكرنا فإنما هو سبب للتكبر الظاهر لأن باعثه على التكبر عليه هو الحقد والحسد وعلى غيره هو الرياء
ومنها يتعين على كل إنسان أراد الخلاص من ورطة الكبر وثمرته القبيحة إذ هو من المهلكات ولا يخلو أحد من الخلق عن شيء منه وإزالته فرض عين وهي لا تمكن بمجرد التمني بل بالمعالجة باستعمال أدويته النافعة في إزالته من أصله أن يعرف نفسه حق المعرفة بأن يتأمل ما أشار إلى بدايته من أذل الأشياء وأحقرها وأقذرها وهو التراب ثم المني ووسطه من التأهل لاكتساب العلوم والمعارف وحيازة المناصب والمراتب ونهايته من