فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 990

أجهل الجاهلين لأنه جهل مقدار نفسه وربه وخطر الخاتمة وعكس الموضوع إذ من شأن العلم أن يوجب مزيد الخوف والتواضع لعظم حجة الله عليه بالعلم وتقصيره في شكر نعمته لكن سبب ذلك أن علمه إما يرجع إلى الدنيا أو لأنه لم يخلص النية فيه فخاض فيه على غير وجهه فأنتج له تلك القبائح وكذلك العلماء الذين ظهرت عليهم سيما الصالحين يسرع إليهم الكبر لكن الناس يترددون إليهم بقضاء مآربهم والمبالغة في إكرامهم فيرون حينئذ أنهم أرفع وأحق بأن يكون الناس دونهم لعدم وصولهم إلى صور أعمالهم وما دروا أن ذلك ربما يكون سببا لسلبهم

كما وقع أن خليعا من بني إسرائيل جلس إلى عابد لينتفع به فأنف من مجالسته وطرده فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أنه غفر للخليع وأحبط عمل العابد

فالجاهل العامي إذا تواضع وذل هيبة لله وخوفا منه فقد أطاع بقلبه فهو أطوع من العالم المتكبر والعابد المعجب

وقد ينتهي الحمق والغباوة ببعض العباد إلى أنه إذا أوذي يتوعد مؤذيه ويقول سترون ما يحل به وإذا نكب مؤذيه يعد ذلك من كراماته لعظم قدر نفسه عنده واستيلاء الجهل عليه لجمعه بين العجب والكبر والاغترار بالله تعالى

وقد قتل جماعة الأنبياء وماتوا من غير أن يعاجلوا بعقاب في الدنيا فما مرتبة هذا الجاهل وإذا اتضح لك كبر هذين النوعين اللذين هما في الظاهر عليهما معول الدين والدنيا اتضح لك كبر البقية من ذوي الأموال والجاه وغيرهم فالمتكبر بالنسب قد يرى من ليس كنسبه مثل عبده وكذا بالجمال وأكثر ما يجري بين النساء ونحوهن وكذا بالمال كما هو مشاهد بين أرباب الدنيا من المناصب والمتاجر وغيرها وكذا بالأتباع والجند وأكثر ما يجري بين الملوك ومما يهيج الكبر ويسعر ناره العجب والحقد والحسد والرياء إذ التكبر خلق باطني لأنه استعظام النفس ورؤية قدرها فوق قدر الغير وموجبه الحقيقي هو العجب وحده كما يعلم مما يأتي في معناه من أعجب بشيء من علمه أو عمله أو غيرهما مما مر استعظم نفسه وتكبر وتمرد وتجبر

وأما غير العجب مما ذكرنا فإنما هو سبب للتكبر الظاهر لأن باعثه على التكبر عليه هو الحقد والحسد وعلى غيره هو الرياء

ومنها يتعين على كل إنسان أراد الخلاص من ورطة الكبر وثمرته القبيحة إذ هو من المهلكات ولا يخلو أحد من الخلق عن شيء منه وإزالته فرض عين وهي لا تمكن بمجرد التمني بل بالمعالجة باستعمال أدويته النافعة في إزالته من أصله أن يعرف نفسه حق المعرفة بأن يتأمل ما أشار إلى بدايته من أذل الأشياء وأحقرها وأقذرها وهو التراب ثم المني ووسطه من التأهل لاكتساب العلوم والمعارف وحيازة المناصب والمراتب ونهايته من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت