يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين أي صاغرين
لن يستنكف المسيح الآية وإما على رسوله بأن يمتنع من الانقياد له تكبرا جهلا وعنادا كما حكى الله ذلك عن كفار مكة وغيرهم من الأمم وإما على العباد بأن يستعظم نفسه ويحتقر غيره ويزدريه فيأبى على الانقياد له أو يترفع عليه ويأنف من مساواته وهذا وإن كان دون الأولين إلا أنه عظيم إثمه أيضا لأن الكبرياء والعظمة إنما يليقان بالملك القادر القوي المتين دون العبد العاجز الضعيف فتكبره فيه منازعة لله في صفة لا تليق إلا بجلاله فهو كعبد أخذ تاج ملك وجلس على سريره فما أعظم استحقاقه للمقت وأقرب استعجاله للخزي ومن ثم قال تعالى كما مر في أحاديث إن من نازعه العظمة والكبرياء أهلكه أي لأنهما من صفاته الخاصة به تعالى فالمنازع فيهما منازع في بعض صفاته تعالى وأيضا فالتكبر على عباده لا يليق إلا به تبارك وتعالى فمن تكبر عليهم فقد جنى عليه إذ من استذل خواص غلمان الملك منازع له في بعض أمره وإن لم يبلغ قبح من أراد الجلوس على سريره ومن لازم هذا الكبر بنوعيه مخالفة أوامر الحق لأن المتكبر ومنه المتجادلون في مسائل الدين بالهوى والتعصب تأبى نفسه من قبول ما سمعه من غيره وإن اتضح سبيله بل يدعوه كبره إلى المبالغة في تزييفه وإظهار إبطاله فهو على حد قوله تعالى وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد وقال ابن مسعود كفى بالرجل إثما إذا قيل له اتق الله أن يقول عليك بنفسك
وقال صلى الله عليه وسلم لرجل كل بيمينك فقال متكبرا لا أستطيع فشلت يده فلم يرفعها بعد
فإذن التكبر على الخلق يدعو إلى التكبر على الخالق ألا ترى أن إبليس لما تكبر على آدم وحسده بقوله أنا خير منه جره ذلك إلى التكبر على الله لمخالفة أمره فهلك هلاكا مؤبدا ومن ثم جعل صلى الله عليه وسلم من علامة الكبر بطر الحق أي رده وغمط الناس أي احتقارهم وازدراؤهم ثم الحامل على التكبر هو اعتقاد كمال تميزه على الغير بعلم أو عمل أو نسب أو مال أو جمال أو جاه أو قوة أو كثرة أتباع فالتكبر أسرع إلى العلماء الذين لم يمنحوا نور التوفيق منه إلى غيرهم لأن الواحد منهم يرى غيره بالنسبة إليه كالبهيمة فيقصر في حقوقه التي طلبها الشارع منه كالسلام والعيادة والبشر ويطلب منه أن لا يخل بشيء من حقوقه لمحبته الترفع عليه وفاعل ذلك