فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 990

يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين أي صاغرين

لن يستنكف المسيح الآية وإما على رسوله بأن يمتنع من الانقياد له تكبرا جهلا وعنادا كما حكى الله ذلك عن كفار مكة وغيرهم من الأمم وإما على العباد بأن يستعظم نفسه ويحتقر غيره ويزدريه فيأبى على الانقياد له أو يترفع عليه ويأنف من مساواته وهذا وإن كان دون الأولين إلا أنه عظيم إثمه أيضا لأن الكبرياء والعظمة إنما يليقان بالملك القادر القوي المتين دون العبد العاجز الضعيف فتكبره فيه منازعة لله في صفة لا تليق إلا بجلاله فهو كعبد أخذ تاج ملك وجلس على سريره فما أعظم استحقاقه للمقت وأقرب استعجاله للخزي ومن ثم قال تعالى كما مر في أحاديث إن من نازعه العظمة والكبرياء أهلكه أي لأنهما من صفاته الخاصة به تعالى فالمنازع فيهما منازع في بعض صفاته تعالى وأيضا فالتكبر على عباده لا يليق إلا به تبارك وتعالى فمن تكبر عليهم فقد جنى عليه إذ من استذل خواص غلمان الملك منازع له في بعض أمره وإن لم يبلغ قبح من أراد الجلوس على سريره ومن لازم هذا الكبر بنوعيه مخالفة أوامر الحق لأن المتكبر ومنه المتجادلون في مسائل الدين بالهوى والتعصب تأبى نفسه من قبول ما سمعه من غيره وإن اتضح سبيله بل يدعوه كبره إلى المبالغة في تزييفه وإظهار إبطاله فهو على حد قوله تعالى وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد وقال ابن مسعود كفى بالرجل إثما إذا قيل له اتق الله أن يقول عليك بنفسك

وقال صلى الله عليه وسلم لرجل كل بيمينك فقال متكبرا لا أستطيع فشلت يده فلم يرفعها بعد

فإذن التكبر على الخلق يدعو إلى التكبر على الخالق ألا ترى أن إبليس لما تكبر على آدم وحسده بقوله أنا خير منه جره ذلك إلى التكبر على الله لمخالفة أمره فهلك هلاكا مؤبدا ومن ثم جعل صلى الله عليه وسلم من علامة الكبر بطر الحق أي رده وغمط الناس أي احتقارهم وازدراؤهم ثم الحامل على التكبر هو اعتقاد كمال تميزه على الغير بعلم أو عمل أو نسب أو مال أو جمال أو جاه أو قوة أو كثرة أتباع فالتكبر أسرع إلى العلماء الذين لم يمنحوا نور التوفيق منه إلى غيرهم لأن الواحد منهم يرى غيره بالنسبة إليه كالبهيمة فيقصر في حقوقه التي طلبها الشارع منه كالسلام والعيادة والبشر ويطلب منه أن لا يخل بشيء من حقوقه لمحبته الترفع عليه وفاعل ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت