فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 990

الدنيوية الناجزة قبل العقوبات الأخروية فظهر أنك عدو نفسك وصديق عدوك إذ تعاطيت ما تضررت به في الدنيا والآخرة وانتفع به عدوك فيهما وصرت مذموما عند الخلق والخالق شقيا حالا ومآلا

وأما العمل النافع لذلك المرض فهو أن تكلف نفسك أن تصنع بالمحسود ضد ما اقتضاه حسدك فتبدل الذم بالمدح والتكبر عليه بالتواضع له ومنع إدخال رفق عليه بزيادة الإرفاق به وهكذا فبهذا يضعف داء الحسد وكلما زدت من ذلك زاد تناقص الحسد إلى أن ينعدم فافهم تسلم وامتثل تغنم والله سبحانه الموفق وإليه ترجع الأمور

ومنها لا شك أن كل أحد يبغض من آذاه طبعا فلا يستوي عنده حسن حاله وسوءه غالبا وبهذا ينازع الشيطان النفس إلى حسده فإن أطاعته حتى أظهرت الحسد بقول أو فعل اختياري أو أبطنته بأن أحبت زوال نعمته فهي عاصية بحسدها إذ معصية الحسد بالقلب فحسبت مظلمة متعلقة بالخلق فلا يشترط في التوبة منها استحلال المحسود لأنها أمر باطن لا يطلع عليه إلا الله تعالى فمتى كففت ظاهرك وألزمت مع ذلك قلبك كراهة ما يترسخ فيه بالطبع من حب زوال النعمة حتى كأنك مقت نفسك على ما في طبعها كانت تلك الكراهة من جهة العقل في مقابلة الميل من جهة الطبع وحينئذ تكون قد أديت الواجب ولا يدخل تحت اختيارك غالبا أكثر من هذا فأما تغيير الطبع إلى أن يستوي عنده المؤذي والمحسن ويكون فرحه بنعمتهما وغمه ببليتهما سواء فأمر يأباه الطبع ما لم يستغرق في محبة الله تعالى ويشتغل بها إلى أن يرى الخلق كلهم بعين واحدة وهي عين الرحمة وبتقدير حصول هذه الحالة لا تدوم بل تكون كالبرق ثم يعود القلب إلى طبعه والشيطان إلى منازعته بالوسوسة ومهما قابل ذلك بكراهته بقلبه فقد أدى ما كلفه

وقد ذهب قوم إلى أنه لا يأثم ما دام الحسد لم يظهر على جوارحه لخبر ثلاث لا يخلو منهن مؤمن وله منهن مخرج فمخرجه من الحسد أن لا يبغي وهذا ضعيف أو شاذ بل الصواب ما مر من حرمته مطلقا ويحمل الخبر إن صح على ما تقرر من أنه يكره ذلك دينا وعقلا في مقابلة حب الطبع لزوال نعمة العدو وهذه الكراهة تمنعه من البغي والإيذاء وقد مرت الأخبار الصريحة الصحيحة في ذم كل حاسد وإثمه والحسد ليس حقيقته إلا في القلب وكيف يسوغ لأحد أن يجوز محبة إساءة مسلم واشتمال قلبه عليها من غير كراهة منه لذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت