الدنيوية الناجزة قبل العقوبات الأخروية فظهر أنك عدو نفسك وصديق عدوك إذ تعاطيت ما تضررت به في الدنيا والآخرة وانتفع به عدوك فيهما وصرت مذموما عند الخلق والخالق شقيا حالا ومآلا
وأما العمل النافع لذلك المرض فهو أن تكلف نفسك أن تصنع بالمحسود ضد ما اقتضاه حسدك فتبدل الذم بالمدح والتكبر عليه بالتواضع له ومنع إدخال رفق عليه بزيادة الإرفاق به وهكذا فبهذا يضعف داء الحسد وكلما زدت من ذلك زاد تناقص الحسد إلى أن ينعدم فافهم تسلم وامتثل تغنم والله سبحانه الموفق وإليه ترجع الأمور
ومنها لا شك أن كل أحد يبغض من آذاه طبعا فلا يستوي عنده حسن حاله وسوءه غالبا وبهذا ينازع الشيطان النفس إلى حسده فإن أطاعته حتى أظهرت الحسد بقول أو فعل اختياري أو أبطنته بأن أحبت زوال نعمته فهي عاصية بحسدها إذ معصية الحسد بالقلب فحسبت مظلمة متعلقة بالخلق فلا يشترط في التوبة منها استحلال المحسود لأنها أمر باطن لا يطلع عليه إلا الله تعالى فمتى كففت ظاهرك وألزمت مع ذلك قلبك كراهة ما يترسخ فيه بالطبع من حب زوال النعمة حتى كأنك مقت نفسك على ما في طبعها كانت تلك الكراهة من جهة العقل في مقابلة الميل من جهة الطبع وحينئذ تكون قد أديت الواجب ولا يدخل تحت اختيارك غالبا أكثر من هذا فأما تغيير الطبع إلى أن يستوي عنده المؤذي والمحسن ويكون فرحه بنعمتهما وغمه ببليتهما سواء فأمر يأباه الطبع ما لم يستغرق في محبة الله تعالى ويشتغل بها إلى أن يرى الخلق كلهم بعين واحدة وهي عين الرحمة وبتقدير حصول هذه الحالة لا تدوم بل تكون كالبرق ثم يعود القلب إلى طبعه والشيطان إلى منازعته بالوسوسة ومهما قابل ذلك بكراهته بقلبه فقد أدى ما كلفه
وقد ذهب قوم إلى أنه لا يأثم ما دام الحسد لم يظهر على جوارحه لخبر ثلاث لا يخلو منهن مؤمن وله منهن مخرج فمخرجه من الحسد أن لا يبغي وهذا ضعيف أو شاذ بل الصواب ما مر من حرمته مطلقا ويحمل الخبر إن صح على ما تقرر من أنه يكره ذلك دينا وعقلا في مقابلة حب الطبع لزوال نعمة العدو وهذه الكراهة تمنعه من البغي والإيذاء وقد مرت الأخبار الصريحة الصحيحة في ذم كل حاسد وإثمه والحسد ليس حقيقته إلا في القلب وكيف يسوغ لأحد أن يجوز محبة إساءة مسلم واشتمال قلبه عليها من غير كراهة منه لذلك