فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 990

باختياره إلى مساواته لذي النعمة بمحبة زوالها عنه فهو مرتبك في الحسد الحرام ولا يتخلص منه إلا إن قوي إيمانه ورسخ قدمه في التقوى ومهما حركه خوف نقصه عن غيره جره إلى الحسد المحظور وإلى ميل الطبع إلى زوال نعمة الغير حتى ينزل لمساواته وهنا لا رخصة فيه بوجه سواء أكان في مقاصد الدين أم الدنيا

قال الغزالي ولكن ذلك يعفى عنه ما لم يعمل به إن شاء الله تعالى وتكون كراهته لذلك من نفسه كفارة له ومنها قد عرفت ماهية الحسد وأحكامه

وأما مراتبه فهي إما محبة زوال نعمة الغير وإن لم تنتقل للحاسد وهذا غاية الحسد أو مع انتقالها إليه أو انتقال مثلها إليه وإلا أحب زوالها لئلا يتميز عليه أو لا مع محبة زوالها وهذا الأخير هو المعفو عنه من الحسد إن كان في الدنيا والمطلوب إن كان في الدين كما مر

ومنها لا شك أن الحسد من أمراض القلوب العظيمة وأمراض القلوب لا تداوى إلا بالعلم فالعلم النافع لمرض الحسد أن تعرف أنه يضر دينا ودنيا ولا يضر المحسود لا دينا ولا دنيا إذ لا تزول نعمة بحسد قط وإلا لم يبق لله نعمة على أحد حتى الإيمان لأن الكفار يحبون زواله عن أهله بل المحسود منتفع بحسدك دينا لأنه مظلوم من جهتك سيما إن أبرزت حسدك إلى الخارج بالغيبة وهتك الستر وغيرهما من أنواع الإيذاء فهذه هدايا تهدي إليه حسناتك بسببها حتى تلقى الله يوم القيامة مفلسا محروما من النعم كما حرمت منها في الدنيا ودينا لسلامته من غمك وحزنك وغيرهما مما يأتي ومتى انكشف غشاء بصيرتك ورين قلبك وتأملت ذلك ولم تكن عدو نفسك ولا صديق عدوك أعرضت عن الحسد أصلا ورأسا حذرا من أن تكون قد وقعت به في ورطة عظيمة وهي أنك قد سخطت قضاء الله وكرهت قسمة الله وعدله وهذه جناية أي جناية على حضرة التوحيد وناهيك بها جناية على الدين وكيف لا وأنت قد فارقت بذلك الأنبياء والأولياء والعلماء العاملين في حبهم وصول الخير لعباد الله وشاركت إبليس والشياطين في محبتهم للمؤمنين البلايا وزوال النعم وهذه خبائث في القلب تأكل حسناتك كما تأكل النار الحطب هذا مع ما ينضم لذلك من ضررك الدنيوي بتوالي الهم والغم عليك كلما رأيت محسودك يتزايد في النعم وأنت تتناقص فيها فإن هذا من جملة آفات حسدك فأنت دائما في غاية الحزن والغم وضيق الصدر وتشعب القلب فلو فرض أنك لم تؤمن ببعث ولا حساب لكان من الحزم ترك الحسد حتى تسلم من هذه العقوبات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت