فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 990

وحاصله أن الإنسان ما دام يحب شيئا ويكره شيئا فلا يخلو من الغضب ثم المحبوب إن كان ضروريا كالقوت والمسكن والملبس وصحة البدن فلا بد من الغضب لأجل تفويته وإن كان غير ضروري كالجاه والصيت والتصدر في المجالس والمباهاة بالعلم والمال الكثير أمكن عدم الغضب عليه بالزهد ونحوه وإن صار محبوبا بالعادة والجهل بمقاصد الأمور وأكثر غضب الناس على هذا القسم أو ضروريا في حق بعض الناس ككتب العلماء وآلات المحترفين وهذا القسم لا يغضب لفواته إلا المضطر إليه بخلاف غيره

إذا علم ذلك فالقسم الأول لا تؤثر الرياضة في زواله بالكلية لأنه قضية الطبع بل في استعماله على حد يستحسنه الشرع والعقل وذلك ممكن بالمجاهدة وتكلف التحلم والاحتمال مدة حتى يصير الحلم والاحتمال خلقا راسخا

وكذلك القسم الثالث لأن من هو ضروري في حقه بمنزلة المضطر إلى الغضب على فواته فلا يمكن بالمجاهدة زواله بل ضعفه نظير ما تقرر في الذي قبله

وأما القسم الثاني فيمكن بالمجاهدة زواله بالكلية لإمكان إخراج حبه من القلب لعدم اضطراره إليه ولملاحظة أن وطن الإنسان الحقيقي القبر ومستقره الآخرة وإنما الدنيا محل تزوده بقدر الضرورة وما وراء ذلك وبال عليه في وطنه ومستقره فليزهد فيها ما حيا حبها من قلبه

نعم وصول الرياضة إلى قلع أصل هذا نادر جدا

وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم اللهم إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر فأيما مسلم سببته أو لعنته أو ضربته فاجعلها مني صلاة عليه وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة

وقال ابن عمرو بن العاص يا رسول الله أكتب عنك ما قلت في الغضب والرضا فقال صلى الله عليه وسلم اكتب فوالذي بعثني بالحق ما يخرج منه إلا حق وأشار إلى لسانه ولم يقل إني لا أغضب ولكن قال إن الغضب لا يخرجني عن الحق أي لا أعمل بموجب الغضب

قال علي كرم الله وجهه كان صلى الله عليه وسلم لا يغضب للدنيا فإذا غضب للحق لم يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت