وأما الإفراط في تلك القوة فهو مذموم جدا أيضا وذلك بأن يغلب عليه حتى يخرج عن سياسة العقل والدين ولا يبقى له معها فكر ولا بصيرة ولا اختيار بل يصير في صورة المضطر إما لأمور خلقية أو عادية أو مركبة منهما بأن تكون فطرته مستعدة لسرعة الغضب أو يخالط من يتبجح به ويعده كمالا وشجاعة حتى ترسخ مدحه عنده ومهما اشتدت نار الغضب واشتعلت أعمت صاحبه وأصمته عن كل موعظة بل لا تزيده الموعظة إلا اشتعالا لانطفاء نور عقله ومحوه حالا بدخان الغضب الصاعد إلى الدماغ الذي هو معدن الفكر وبما يتعدى إلى معادن الحس فيظلم بصره حتى لا يرى شيئا إلا سوادا بل ربما زاد اشتعال ناره حتى تفنى رطوبة القلب التي بها حياته فيموت صاحبه غيظا
ومن آثار هذا الغضب في الظاهر تغير اللون كما مر وشدة رعدة الأطراف وخروج الأفعال عن الانتظام واضطراب الحركة والكلام حتى يظهر الزبد على الأشداق وتشتد حمرة الأحداق وتنقلب المناخر وتستحيل الخلقة ولو يرى الغضبان في حال غضبه صورة نفسه لسكن غضبه حياء من قبح صورته لاستحالة خلقته وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره فإن الظاهر عنوان الباطن إذ قبح ذاك إنما نشأ عن قبح هذا فتغير الظاهر ثمرة تغير الباطن هذا أثره في الجسد
وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالقبائح كالشتم والفحش وغيرهما مما يستحي منه ذوو العقول مطلقا وقائله عند فتور غضبه على أنه لا ينتظم كلامه بل يتخبط نظمه ويضطرب لفظه
وأما أثره في الأعضاء فالضرب فما فوقه إلى القتل عند التمكن فإن عجز عن التشفي رجع غضبه عليه فمزق ثوبه وضرب نفسه وغيره حتى الحيوان والجماد بالكسر وغيره وعدا عدو الواله السكران والمجنون الحيران وربما سقط وعجز عن الحركة واعتراه مثل الغشية لشدة استيلاء الغضب عليه
وأما أثره في القلب فالحقد على المغضوب عليه وحسده وإظهار الشماتة بمساءته والحزن بسروره والعزم على إفشاء سره وهتك ستره والاستهزاء به وغير ذلك من القبائح
وأما الكمال المطلق فهو اعتدال تلك القوة بأن لم يكن فيها تفريط ولا إفراط وإنما تكون طوع العقل والدين فتنبعث حيث وجبت الحمية وتنطفئ حيث حسن الحلم