فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 990

وأما الإفراط في تلك القوة فهو مذموم جدا أيضا وذلك بأن يغلب عليه حتى يخرج عن سياسة العقل والدين ولا يبقى له معها فكر ولا بصيرة ولا اختيار بل يصير في صورة المضطر إما لأمور خلقية أو عادية أو مركبة منهما بأن تكون فطرته مستعدة لسرعة الغضب أو يخالط من يتبجح به ويعده كمالا وشجاعة حتى ترسخ مدحه عنده ومهما اشتدت نار الغضب واشتعلت أعمت صاحبه وأصمته عن كل موعظة بل لا تزيده الموعظة إلا اشتعالا لانطفاء نور عقله ومحوه حالا بدخان الغضب الصاعد إلى الدماغ الذي هو معدن الفكر وبما يتعدى إلى معادن الحس فيظلم بصره حتى لا يرى شيئا إلا سوادا بل ربما زاد اشتعال ناره حتى تفنى رطوبة القلب التي بها حياته فيموت صاحبه غيظا

ومن آثار هذا الغضب في الظاهر تغير اللون كما مر وشدة رعدة الأطراف وخروج الأفعال عن الانتظام واضطراب الحركة والكلام حتى يظهر الزبد على الأشداق وتشتد حمرة الأحداق وتنقلب المناخر وتستحيل الخلقة ولو يرى الغضبان في حال غضبه صورة نفسه لسكن غضبه حياء من قبح صورته لاستحالة خلقته وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره فإن الظاهر عنوان الباطن إذ قبح ذاك إنما نشأ عن قبح هذا فتغير الظاهر ثمرة تغير الباطن هذا أثره في الجسد

وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالقبائح كالشتم والفحش وغيرهما مما يستحي منه ذوو العقول مطلقا وقائله عند فتور غضبه على أنه لا ينتظم كلامه بل يتخبط نظمه ويضطرب لفظه

وأما أثره في الأعضاء فالضرب فما فوقه إلى القتل عند التمكن فإن عجز عن التشفي رجع غضبه عليه فمزق ثوبه وضرب نفسه وغيره حتى الحيوان والجماد بالكسر وغيره وعدا عدو الواله السكران والمجنون الحيران وربما سقط وعجز عن الحركة واعتراه مثل الغشية لشدة استيلاء الغضب عليه

وأما أثره في القلب فالحقد على المغضوب عليه وحسده وإظهار الشماتة بمساءته والحزن بسروره والعزم على إفشاء سره وهتك ستره والاستهزاء به وغير ذلك من القبائح

وأما الكمال المطلق فهو اعتدال تلك القوة بأن لم يكن فيها تفريط ولا إفراط وإنما تكون طوع العقل والدين فتنبعث حيث وجبت الحمية وتنطفئ حيث حسن الحلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت